الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

314

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أمرناهم بأن يقتلوا أنفسهم ( أي يقتل بعضهم بعضا ) أو يخرجوا من وطنهم المحبب عندهم لما فعله إلا قليل منهم . إن مسألة " الاستعداد للقتل " تشبه - حسب قول بعض المفسرين - مسألة " الخروج عن الوطن " من جهات عديدة ، لأن البدن وطن الروح الإنسانية تماما كما أن الوطن مثل الجسم الإنساني ، فكما أن التغاضي عن ترك وطن الجسم أمر صعب ، كذلك التغاضي عن الوطن الذي هو مسقط رأس الإنسان ومحل ولادته ونشأته . ثم إن الله سبحانه يقول : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا أي لو أنهم قبلوا نصائح النبي ومواعظه لكان ذلك من مصلحتهم ، ولكان سببا لتقوية أسس الإيمان عندهم . والملفت للنظر أن القرآن يعبر - في هذه الآية - عن الأحكام والأوامر الإلهية بالموعظة ، وهو إشارة إلى أن الأحكام المذكورة ليست أمورا تصب في مصلحة المشرع ( أي الله ) أو تجر له نفعا ، بل هي - في الحقيقة - نصائح ومواعظ نافعة لكم ، ولهذا يقول ودون تأخير : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا أي تقوية لإيمانهم وترسيخا لجذورها في نفوسهم . ولابد أيضا أن ننتبه إلى هذه النقطة ، وهي أن الله سبحانه يقول في ختام هذه الآية وأشد تثبيتا أي كلما اجتهد الإنسان في السير في سبيل طاعة الله وتنفيذ أوامره ازدادت استقامته وازداد ثباته ، وهذا يعني أن إطاعة الأوامر الإلهية نوع من الرياضة الروحية التي تحصل للإنسان من تكرارها قوة وثبات أكبر واستحكام أكثر ، على غرار ما يحصل للجسم نتيجة تكرار الرياضات الجسمية والتمارين الرياضية البدنية ، فيصل الإنسان - نتيجة ذلك - إلى مرحلة لا يمكن لأية قدرة أن تغلب قدرته أو تخدعه أو تزعزعه . ثم إنه سبحانه يبين - في الآية الثانية - الفائدة الثالثة من فوائد التسليم لأوامر