الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

266

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

يزكون أنفسهم وفي هذه إشارة إلى إحدى الصفات الذميمة التي قد يبتلى بها كثير من الأفراد والشعوب ، إنها صفة مدح الذات وتزكية النفس ، وادعاء الفضيلة لها . ثم يقول سبحانه : بل الله يزكي من يشاء فهو وحده الذي يمدح الأشخاص ويزكيهم طبقا لما يتوفر عندهم من مؤهلات وخصال حسنة دون زيادة أو نقصان ، وعلى أساس من الحكمة والمشيئة البالغة ، وليس اعتباطا أو عبثا . ولذلك فهو لا يظلم أحدا مقدار فتيل : ولا يظلمون فتيلا ( 1 ) . وفي الحقيقة أن الفضيلة هي ما يعتبرها الله سبحانه فضيلة لا ما يدعيه الإشخاص لأنفسهم انطلاقا من أنانيتهم ، فيظلمون بذلك أنفسهم وغيرهم . إن هذا الخطاب وإن كان موجها إلى اليهود والنصارى الذين يدعون لأنفسهم بعض الفضائل دونما دليل ، ويعتبرون أنفسهم شعوبا مختارة فيقولون أحيانا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ( 2 ) ويقولون تارة أخرى : نحن أبناء الله وأحباؤه ( 3 ) إلا أن مفهومه لا يختص بقوم دون قوم ، وجماعة دون جماعة ، بل يشمل كل الأشخاص أو الأمم المصابة بمثل هذا المرض الوبي ، وهذه الصفة الذميمة . إن القرآن يخاطب جميع المسلمين في ( سورة النجم - الآية 32 ) فيقول : فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى . إن مصدر هذا العمل هو الإعجاب بالنفس والغرور ، والعجب الذي يتجلى شيئا فشيئا في صورة امتداح الذات وتزكية النفس ، بينما ينتهي في نهاية المطاف إلى التكبر والاستعلاء على الآخرين .

--> 1 - الفتيل في اللغة بمعنى الخيط الدقيق الموجود بين شقي نواة التمر ، ويأتي كناية عن الأشياء الصغيرة والدقيقة جدا ، وأصله من مادة " فتل " بمعنى البرم . 2 - البقرة ، 80 . 3 - المائدة ، 18 .