الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
243
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أما إذا أخذنا الشهادة بمعنى الشهادة العملية ، يعنى أن تكون أعمال " فرد نموذجي " مقياسا ومعيارا لأعمال الآخرين كان التفسير حينئذ خاليا عن أي إشكال ، لأن كل نبي بما له من صفات متميزة وخصال ممتازة يعد خير معيار لأمته ، إذ يمكن معرفة الصالحين والطالحين بمشابهتهم أو عدم مشابهتهم له ، وحيث إن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو أعظم الأنبياء والرسل الإلهيين كانت صفاته وأعماله معيارا لشخصية كل الأنبياء والرسل . نعم لا يبقى هنا إلا سؤال واحد هو : هل جاءت الشهادة بهذا المعنى ، أم لا ؟ بيد أنه مع الانتباه إلى أن أعمال الرجال النموذجيين وتصرفاتهم وأفكارهم تشهد عمليا على أنه من الممكن أن يرقى إنسان ما إلى هذه الدرجة ، ويطوي هذه المقامات والمراحل المعنوية لم يبد مثل هذا المعنى بعيدا في النظر . عندئذ يندم الكفار الذين عارضوا الرسول وعصوه ، أي عندما رأوا بأم أعينهم تلك المحكمة الإلهية العادلة ، وواجهوا الشهود الذين لا يمكن إنكار شهاداتهم ، إنهم يندمون ندما بالغا لدرجة أنهم يتمنون لو أنهم كانوا ترابا أو سووا بالأرض كما يقول القرآن الكريم في الآية الثانية من الآيتين الحاضرتين إذ يقول سبحانه : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض . وقد ورد مثل هذا التعبير في آخر سورة النبأ إذ يقول تعالى : ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا . ولكن لفظة لو تسوى تشير إلى مطلب آخر أيضا ، وهو : إن الكفار مضافا إلى أنهم يتمنون أن يصيروا ترابا ، يحبون أن تضيع معالم قبورهم في الأرض أيضا وتسوى بالأرض حتى ينسوا بالمرة ، ولا يبقى لهم ذكر ولا خبر ولا أثر . إنهم في هذه الحالة لا يمكنهم أن ينكروا أية حقيقة واقعة ولا أن يكتموا شيئا : ولا يكتمون الله حديثا لأنه لا سبيل إلى الإنكار أو الكتمان مع كل