الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
202
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وفي آيات أخرى من القرآن الكريم أكد هذا المعنى بعبارات شبيهة بالعبارة المذكورة في الآية الحاضرة ، فعندما يشنع على اليهود ويذكر أعمالهم القبيحة يقول : وأكلهم أموال الناس بالباطل ( 1 ) ويقول في الآية ( 188 ) من سورة البقرة لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل كمقدمة للنهي عن جر الناس إلى المحاكم وأكل أموالهم بحجج واهية غير منطقية . وعلى هذا الأساس يندرج تحت هذا العنوان الكلي كل لون من ألوان العدوان ، والغش ، وجميع المعاملات الربوية ، والمعاملات المجهولة الخصوصيات تماما ، وتعاطي البضائع التي لا فائدة فيها بحكم العقلاء ، والتجارة بأدوات اللهو والفساد والمعصية وما شاكل ذلك . وتفسير بعض الروايات كلمة " الباطل " بالقمار والربا وما شابه ذلك إنما هو في الحقيقة من باب ذكر المصاديق الواضحة لهذا المفهوم ، وليس من باب الحصر والقصر . ولعلنا لا نحتاج إلى التذكير بأن التعبير ب " الأكل " كناية عن كل تصرف ، سواء تم بصورة الأكل المتعارف أو اللبس ، أو السكنى أو غير ذلك ، تعبير رائج في اللغة العربية وغير العربية ، غير غريب على الاستعمال . ثم إن الله سبحانه يقول معقبا على العبارات السابقة : إلا أن تكون تجارة عن تراض . وهذه العبارة استثناء من القانون الكلي ، وهو بحسب الاصطلاح " استثناء منقطع " ( 2 ) وهو يعني إن ما جاء في هذا العبارة لم يكن مشمولا للحكم السابق من الأساس ، بل قد ذكر تأكيدا وتذكيرا ، فهو في حد ذاته قانون كلي ، وضابطة عامة
--> 1 - النساء ، 161 . 2 - الاستثناء المنقطع يأتي - غالبا - لتأكيد عمومية الحكم العام ، وهو أمر صادق في المقام ، هذا مضافا إلى أنه يكشف عن هذه الحقيقة ، وهي أن تحريم التصرفات الباطلة لا يقفل عليكم أبواب الرزق والحياة ، بل في إمكانكم أن تحققوا أهدافكم عن طريق التجارة المشروعة والكسب المباح شرعا .