الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
164
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فهي تخبر المسلمين - إذا عزموا على تطليق الزوجة واختيار زوجة أخرى - أنه لا يحق لهم أبدا أن يبخسوا من صداق الزوجة الأولى شيئا أو يستردوا شيئا من الصداق إذا كانوا قد سلموه إلى الزوجة مهما كان مقداره كثيرا وثقيلا ، والذي عبر عنه في الآية بالقنطار ، والقنطار - كما سبق يعني المال الكثير وقد جاء في المفردات للراغب : أن القنطار جمع القنطرة ، والقنطرة من المال ما فيه عبور الحياة تشبيها بالقنطرة ( 1 ) . لأن المفروض أن تطليق الزوجة الأولى - هنا - يتم لأجل مصلحة الزوج ، وليس لأجل انحراف الزوجة عن جادة العفاف والطهر ، ولهذا لا معنى لأن تهمل حقوقها القطعية . ثم إن الآية تشير في مقطعها الأخير إلى الأسلوب السائد في العهد الجاهلي حيث كان الرجل يتهم زوجته بالخيانة الزوجية لحبس الصداق عنها ، إذ تقول في استفهام إنكاري : أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا أي هل تأخذون صداق الزوجة عن طريق بهتهن ، واتهامهن بالفاحشة ، وهو إثم واضح ومعصية بينة ، وهذا يعني أن أصل حبس الصداق عن الزوجة ظلم ومعصية ، والتوسل لذلك بمثل هذه الوسيلة الأثيمة معصية أخرى واضحة ، وظلم آخر بين . ثم أضاف سبحانه - في الآية الثانية من الآيتين الحاضرتين - وضمن استفهام إنكاري بهدف تحريك العواطف الإنسانية لدى الرجال بأنه كيف يحق لكم ذلك ، وقد عشتم مع الزوجة الأولى زمنا طويلا ، وكانت لكم معهن حياة مشتركة ، واختليتم بهن واستمتع كل واحد منكما بالآخر كما لو كنتما روحا واحدة في جسمين ، أفبعد ما كانت بينكما هذه العلاقة الزوجية الحميمة يحق لكم - أيها الأزواج - أن تبخسوا حق الزوجة الأولى ؟ وقد لخص سبحانه كل هذه بقوله :
--> 1 - ولمزيد التوضيح راجع الجزء الثاني من تفسيرنا هذا عند تفسير الآية ( 15 ) من سورة آل عمران .