الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
152
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هؤلاء العصاة ، فيقول : فإن تابا ، وأصلحا ، فأعرضوا عنهما أن الله كان توابا رحيما . وهذا التعليم هو في الحقيقة يفتح طريق العودة ويرسم خط الرجعة لمثل هؤلاء العصاة ، فإن على المجتمع الإسلامي أن يحتضن هؤلاء إذا تابوا ورجعوا إلى الطهر والصواب وأصلحوا ، ولن يطردوا من المجتمع بعد هذا بحجة الفساد والانحراف . هذا ويستفاد من هذا الحكم أيضا - أنه يجب أن لا يعير العصاة الذين رجعوا إلى جادة الصواب وتابوا وأصلحوا على أفعالهم القبيحة السابقة ، وأن لا يلاموا على ذنوبهم الغابرة ، فإذا كان الحكم الشرعي والعقوبة الإلهية يسقطان بسبب التوبة والإنابة ، فإن من الأولى أن يغض الناس الطرف عن سوابقهم ، وهذا بنفسه جار في من نفذ فيه الحد الشرعي ثم تاب بعد ذلك ، فإنه يجب أن تشمله مغفرة المسلمين وعفوهم . 3 العقوبات الإسلامية السهل الممتنع : قد يتساءل البعض أحيانا : لماذا قرر الإسلام عقوبات صارمة ، وأحكاما جزائية قاسية وثقيلة ؟ فمثلا : لماذا حكم بالحبس الأبدي أولا على الزانية عن إحصان ، ثم قرر الحكم القتل والإعدام في شأنهما في ما بعد ، ألم يكن من الأفضل أن يتخذ الإسلام موقفا أكثر تسامحا ولينا تجاه هذه الأفعال ، لتتعادل الجريمة والعقوبة ولا يرجح أحدهما على الآخر ؟ غير أن العقوبات الإسلامية وإن كانت تبدو في الظاهر صعبة وقاسية وثقيلة ، إلا أن إثبات الجريمة في الإسلام في المقام ليس سهلا ، أيضا فقد عين الإسلام وحدد لإثبات الجريمة شروطا لا تثبت - في الأغلب - إلا إذا وقعت الجريمة علنا .