الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المادية الشخصية إذ يقول سبحانه عنهم : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ، ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ( 1 ) . ثم أنه سبحانه يقول في بيان نتيجة أكل أموال اليتامى : وسيصلون سعيرا . و " يصلى " من " الصلى " بمعنى الدخول في النار والاحتراق بلهيبها ، وأما " السعير " فبمعنى النار المشتعلة . ويقصد القرآن من هذه الجملة إن الذين يأكلون أموال اليتامى مضافا إلى أنهم يأكلون النار - في الحقيقة - في هذه الدنيا سيدخلون عما قريب نارا مشتعلة الأوار وحارقة اللهب في الدار الآخرة . ويستفاد من هذه الآية أن لأعمالنا مضافا إلى وجهها الظاهري وجها واقعيا أيضا ، وجها مستورا عنا في هذه الدنيا ، لا نراه بعيوننا هنا ، ولكنه يظهر في العالم الآخر ، وهذا الأمر هو ما يشكل مسألة تجسم الأعمال المطروحة في المعتقدات الإسلامية . إن القرآن يصرح في هذه الآية بأن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وجورا ، وإن كان الوجه الظاهري لفعلهم هذا هو الأكل من الأطعمة اللذيذة الملونة ، ولكن الوجه الواقعي لهذه الأغذية هو النار المحرقة الملتهبة ، وهذا الوجه هو الذي يظهر ويتجلى على حقيقته في عالم الآخرة . إن بين الوجه الواقعي للعمل والكيفية الظاهرية للعمل تناسبا وتشابها دائما ، فكما أن أكل مال اليتيم وغصب حقوقه يحرق فؤاد اليتيم ، ويؤذي روحه ، فكذا يكون الوجه الواقعي للعمل نارا محرقة . إن الانتباه إلى هذا الأمر ( أي الوجه الحقيقي الواقعي لكل عمل ) خير رادع للذين يؤمنون بهذه الحقائق ، كيما لا يرتكبوا المعاصي ولا يقترفوا الذنوب ، فهل

--> 1 - البقرة ، 174 .