مؤسسة آل البيت ( ع )

8

مجلة تراثنا

ملائمة العبارة المثبتة في النص للمعنى المراد . كذلك هو بحاجة إلى جهد فني وذوق مقبول ، ومهارة فائقة في معرفة علامات التنقيط ومعرفة مواضعها من النص ، وتقطيع النص على أساسها بشكل يلائم مقاطع المعنى ويناسب اختلافه . ومن هنا يدرك - كما أعتقد - أن تحقيق النصوص عمل جد جليل ، ومهمة أكثر من عملية التأليف صعوبة ، وتستدعي جهودا أكثر . ذلك لأن المؤلف يملك مطلق الحرية في انتخاب الكلمات ، ووضع ما يلائم مقصودة منها في النص الذي يؤلفه ، وله الحق في الحذف أو الزيادة ، وفي التقديم أو التأخير على ذلك الأساس . لكن المحقق للنص ، يفقد مثل هذه الحرية ، بل هو مقيد بالتزام الأمانة التامة - إذا أراد أن يؤدي مهمته بصدق وإخلاص وجدارة - في تقديم النص الثابت لدى المؤلف ، كما ألفه ووضعه . فعلى المحقق أن يثبت في الكتاب ما يراه - حقا - أنه النص الذي ألفه المؤلف ، أن يقوم بضبطه بحيث لا يشذ عنه معنى مراد ، ولا يرد فيه شئ غير مقصود ، وهذا هو تمام الهدف من عملية تحقيق النصوص . ومن هنا يدرك أيضا مدى خطورة هذا العمل فإذا لم يفهم المحقق النص ، ولم يدرك ما أراده المؤلف من الكلام ، فكيف يمكنه انتخاب الكلمات والألفاظ ؟ ! وكيف يختار اللفظ الصحيح من بين الألفاظ الكثيرة المتفاوتة ؟ ! وقد منيت أكثر النصوص بالتحريفات الفاحشة والتصحيفات الفظيعة التي تقلب المعنى رأسا على عقب . وإذا لم يتم وضع اللفظ الصحيح ، فكيف يمكن للمراجع أن يعتمد على الكتاب ويستفيد منه ؟ ! وإذا كان النص المراد تحقيقه كتابا له قدسية لكونه تفسيرا للقرآن أو حاويا للسنة ، أو كتابا فقهيا يحتوي على أحكام الدين القويم ، فإن الخطورة تتضاعف ، حيث أن المحقق يقف أمام عقبة كأداء من حيث أن خطأه يؤدي إلى نسبة غير الحق إلى هذه المقدسات الشريفة .