مؤسسة آل البيت ( ع )
79
مجلة تراثنا
الوجودات هو تلك الموجودات ، إلا أنه بنوع ونوع . وإنما أوردت هذا الكلام كله ، لأنه مع انطوائه بما نحن بصدده ، مشتمل أيضا على تحقيق معنى الحقيقة ، ومعنى الصدق والحق وسبب تسمية هذا الوجود بالوجود الحقيقي وغيره من اللطائف فليتأمل ( 20 ) . أقول : في هذه العبارات المنيفة السامية لطائف عديدة ، ونكات سديدة ، حري بباغي المعارف الإلهية أن يعتني بها ويهتم بنيلها : منها : إن العالم الأعلى هو متن ما دونها وقضائها ، ولا يوجد رقيقة في الداني ، إلا وهي مستكنة فيه على نحو وجود أحدي ، فالرقائق صنم ، وأنموذج لذلك العالم الأعلى ، فالحقيقة لا تنزل إلى العالم الأدنى الحسي إلا وهي نازلة من جميع العوالم ، قال عز من قائل : " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم " ( 21 ) ، وقال سبحانه : " يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون " ( 22 ) . فكل ما هو حق وصدق من المعاني والصور ، فهو مطابق - بالكسر - لما هو متحقق في العالم الأعلى ، أي فله مطابق - بالفتح - وخزائن ، وأما ما ليس بحق وصدق كالصور المختلقة التي هي مخترعات الوهم ودعابات الخيال ، والاعتباريات المحضة من النسب والإضافات غير الحقيقية ، فليس لها مطابق - بالفتح - أصلا ، لأن الباطل لا يتطرق في صنع الحق ، مثلا ، لو فرض الوهم غلطا أن الثلاثة نصف العشرة أو الهواء أثقل من الأرض وأصلب منها ونحوهما من الأكاذيب ، فهي عارية عن أن يكون لها نفس الأمر ، وبمعزل عنه . فنفس الأمر هو حقيقة الأمر ، أي حقيقة الشئ في النظام العنائي الحقيقي ، وتصور أن الثلاثة نصف العشرة ليس أمرا حقا ، فلا يصح أن يقال : إن الثلاثة في نفس الأمر أي في نفسها وذاتها نصف العشرة ، فلا يصح أن يقال : إن للكواذب مطابق - بالفتح - فما هو باطل في موطن ، وليس فرض تحققه في ذلك الموطن بحق ، فهو عار عن تلبس خلعة الوجود الحقيقي في جميع المواطن ، فالكواذب مطلقا ليس لها
--> ( 20 ) إنتهى كلام صاحب التمهيد : 16 الطبعة الأولى . ( 21 ) الحجر : 21 . ( 22 ) السجدة : 5