مؤسسة آل البيت ( ع )
79
مجلة تراثنا
وضغينة أبي سفيان وحفيظة آكلة الأكباد على محمد صلى الله عليه وآله ومن اتبعه . وقد حاول بعضهم تخفيف وطأتها ، لشعورهم بعظمتها وكونها وصمة لا تزول من تاريخ فاعليها ، فعبر عنها الذهبي والأسنوي بأن النسائي : " خرج حاجا فامتحن بدمشق فأدرك الشهادة " ( 1 ) . ولما ذا أدرك الشهادة ؟ أفي حرب لأهل الشام مع الروم ! أم في دفاع عن حريم الإسلام ضد الغزاة ! القارئ المتمعن في قراءته ، يعلم - بعد البحث والتنقير - أن الصحيح الثاني ، ولكن ضد من ؟ . . إنه رحمه الله استشهد دفاعا عن الإسلام ضد المنافقين الذين هدموا الإسلام وغيروا مجراه ، وجنوا على أنفسهم وعلى البشرية بغصب المعصوم مقامه حتى وصلت خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله . . هذا المنصب الإلهي الجليل . . إلى يزيد القرود والفهود والخمور . . وآل الأمر إلى أن صار من تغلب على الحكم ونجح فهو أمير المؤمنين ، يفرض نفسه على الإسلام ، وعلى الأمة المسلمة وعلى الشريعة أن تقلبه إماما مطاعا حتى إذا كان عفلقا أو عفلقيا ، وتصادق على كل تصرفاته مهما كانت ، فله الحرية الكاملة في القتل والشنق والإعدامات والمصادرات . . . وهذا السبكي وصنوه الأسنوي يقولان : " ودخل دمشق فسئل عن معاوية ففضل عليه عليا كرم الله وجهه ، فأخرج من المسجد وحمل إلى الرملة " ( 2 ) . وقارئ نصهما لا يرى فيه إلا الإخراج من المسجد والحمل إلى الرملة ، ولكن لسائل أن سأل : إن كان خرج من المسجد صحيحا معافى ، ما حاجته إلى أن يحمل ؟ ! . . إن السالم الصحيح يستطيع أن يسير هو إلى الرملة ، أما الحمل فلا يكون إلا لمن تضعضعت أركانه وانهد بنيان جسمه . وعلى كل حال . . فإن شيبة هذا الرجل وقد ذرف على الثمانين من عمره ، بل كاد أن يتناول التسعين . . وعلم هذا الرجل واعترف مؤرخيهم ومترجميهم بشيخوخته للإسلام . . وغربته وكونه ضيفا عليهم . . وقدسية مقصده ، فإنه خرج حاجا .
--> ( 1 ) العبر 2 / 124 ، طبقات الشافعية 2 / 480 . ( 2 ) طبقات الشافعية للسبكي 3 / 15 ، وطبقات الشافعية للأسنوي 2 / 480 .