الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

94

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم يعرض لنا القرآن الكريم خمسة أوصاف الباري جل شأنه : وهو الغفور الودود الذي يغفر للتائبين ويحب المؤمنين . ذو العرش المجيد صاحب الحكومة المقتدرة على عالم الوجود وذو المجد والعظيمة . فعال لما يريد . " الغفور " و " الودود " : كلاهما صيغة مبالغة ، ويشيران إلى منتهى الغفران والود الإلهي ، " الغفور " لعبادة المذنبين ، و " الودود " المحب لعباده الصالحين . فذكر هذه الأوصاف بعد ما تضمنته الآيات السابقة من تهديد ووعيد ، يبين أن طريق العودة إلى الله سالك وأن باب التوبة مفتوح لكل من ولغ في الذنوب ، فالباري جلت عظمته في الوقت الذي هو شديد العقاب فهو الغفور الرحيم أيضا . وعلى هذا الضوء ف‍ " الودود " جاء بصيغة اسم الفاعل ، وليس كما قيل من أنه اسم مفعول ، ليكون المعنى : بأن الله له محبون كثيرون ، فهذا المعنى لا ينسجم مع الصفة السابقة " الغفور " ولا يتناسب مع سياق الكلام . وصفة : " ذو العرش " : كناية عن قدرته وحاكميته ومالكيته سبحانه وتعالى ، ويتبين بهذا الوصف أن حكم عالم الوجود بيده جل وعلا ، فما شاء كان ، وقوله تعالى : فعال لما يريد من لوازم هذه الحاكمية المطلقة . ف‍ " ذو العرش " تشير إلى قدرته تعالى على : المعاد ، إحياء الموتى ومعاقبة الجبابرة والمجرمين والذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات . " المجيد " : من ( المجد ) ، وهو السعة في الكرم والجلال ، وهي من الصفات المختصة بالله سبحانه ، وقلما تستعمل لغيره . ( 1 ) وبنظرة بسيطة إلى هذه الصفات المذكورة سيتراءى أمامنا ذلك الانسجام

--> 1 - جاءت كلمة " المجيد " في الآية مرفوعة ( طبق القراءة المشهورة ) ، تكون صفة لله تعالى وليس صفة للعرش ، وإلا لكانت مجرورة .