الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
92
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق . " فتنوا " : من مادة ( فتن ) ، - على زنة متن - وهو إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، وقد استعملت ( الفتنة ) بمعنى ( الاختبار ) ، وبمعنى ( العذاب والبلاء ) ، وبمعنى ( الضلال والشرك ) أيضا . وهي في الآية بمعنى ( العذاب ) ، على غرار ما جاء في الآيتين ( 13 و 14 ) من سورة الذاريات : يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون . ثم لم يتوبوا : تدل على أن باب التوبة مفتوح حتى لأولئك الجناة المجرمين ، وتدل أيضا على مدى لطف الباري جل وعلا على الإنسان حتى وإن كان مذنبا ، وفي الجملة تنبيه لأهل مكة ليسارعوا في ترك تعذيب المؤمنين ويتوبوا إلى الله توبة نصوح . فباب التوبة لا يغلق بوجه أحد ، وذكر العقاب الإلهي الشديد الأليم إنما جاء لتخويف الفاسدين والمنحرفين عسى أن يرعووا ويعودوا إلى الحق مولاهم . وقد ورد في الآية لونين من العذاب الإلهي ، عذاب جهنم وعذاب الحريق ، للإشارة إلى أن لعذاب جهنم ألوان عديدة ، منها ( عذاب النار ) ، وتعيين " عذاب الحريق " ، للإشارة أيضا إلى أن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وأحرقوهم بالنار ، سوف يجازون بذات أساليبهم ، ولكن ، أين هذه النار من تلك ؟ ! فنار جهنم قد سجرت بغضب الله ، وهي نار خالدة ويصاحب داخليها الذل والهوان ، أما نار الدنيا ، فقد أوقدها الإنسان الضعيف ، ودخلها المؤمنون بعزة وإباء وشرف ملتحقين بصفوف شهداء رسالة السماء الحقة . وقيل : إن عذاب جهنم جزاء كفرهم ، وعذاب الحريق جزاء ما اقترفوا بحق المؤمنين الأخيار من جريمة بشعة . وتعرض لنا الآية التالية ما سيناله المؤمنون من ثواب : إن الذين آمنوا