الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
84
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتأسفوا لعدم التفات المفسرين لهذه النكتة ! والآيتان : إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ، تشيران إلى ذلك الجمع من الناس الذين حضروا الواقعة ، وهم ينظرون إلى ما يحدث بكل تلذذ وبرود وفي منتهى قساوة القلب ( سادية ) ! وقيل : الإشارة إلى المأمورين بتنفيذ التهديد ، وإجبار المؤمنين على ترك إيمانهم . وقيل أيضا : إنهم كانوا فريقين ، فريق يباشر التعذيب ، وآخر حضر للمشاهدة ، وقد أشرك الجميع في هذا العمل لرضايتهم به . وهذه صورة طبيعية الوقوع ، حيث هناك من يأمر ( الرؤساء ) ، ومن ينفذ ( المرأوسون ) ، وثمة المشاهدون من غير الآمر والمأمور . وقيل أيضا : ثمة فريق منهم كان مكلفا بمراقبة عملية التنفيذ لرفع تقاريرهم إلى السلطان عن كيفية أداء المأمورين لواجباتهم السلطانية . ولا يبعد وجود كل ما ذكر من أصناف في ذلك المشهد المروع ، كما وبالإمكان الجمع بين كل الآراء المطروحة . ومجئ فعل جملة " يفعلون " بصيغة المضارع ، للإشارة إلى أن ذلك العمل قد استغرق وقتا طويلا ، وما كان بالحدث السريع العابر . وتقول الآية التالية : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد . نعم ، فجرمهم الوحيد إنهم آمنوا بالله الواحد الأحد دون تلك الأصنام الفاقدة للعقل والإحساس . " نقموا " : من ( النقم ) - على زنة قلم - وهو الإنكار باللسان أو بالعقوبة ، ومنه ( الانتقام ) . هكذا عقوبة لا تجري إلا على ذنب عظيم ، وأين الإيمان بالله العزيز الحميد من الذنب ؟ ! إنه الإنحطاط الكبير الذي وصل إليه أولئك القوم ، قد صور لهم أعز