الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
70
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إلى الذهن بوضع الجبين على الأرض ، فهو أحد مصاديق مفهوم السجود ، ولعل هذا هو ما ورد في الروايات من سجود النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند قراءته لهذه الآية . والسجود في هذه الآية مستحب عند فتاوى فقهاء أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فيما يوجب ذلك فقهاء المذاهب الأربع ، إلا ( مالك ) ، فإنه يقول بالسجود عند الانتهاء من تلاوة السورة ( 1 ) . وتأتي الآية التالية لتقول : بل الذين كفروا يكذبون . والتعبير عن ممارسة تكذيب الكافرين في الآية بصيغة المضارع المستمر ، للإشارة إلى تكذيبهم المتعنت المستمر واصرارهم ولجاجتهم وليس تكذيبهم بسبب ضعف أدلة الحق ، بل من أجل روح التعصب الأعمى للأسلاف والدنيا والمصالح المادية والحاكمة على قلوبهم المريضة ، وأهوائهم الشيطانية . وببيان جدي وتهديد جدي ، تقول الآية التالية : والله أعلم بما يوعون . فالله تعالى أعلم بدافع ونية وهدف ذلك التكذيب ، ومهما تستروا على ما فعلوا فلا يجزون إلا بما كسبت أيديهم . " يوعون " : من ( الوعاء ) وهو الظرف ، كما هو مستقى من قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في نهج البلاغة : " إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها " . ثم . . . : فبشرهم بعذاب أليم . عادة ما تستعمل " البشارة " للأخبار السارة ، وجاءت هنا لتنم عن نوع من الطعن والتوبيخ . والحال ، إن البشارة الحقة للمؤمنين خالصة بما ينتظرهم من نعيم ، وما للكاذبين إلا الغرق في بحر من الحسرة والندم ، وما هم إلا في عذاب جهنم
--> 1 - روح البيان ، ج 1 ، ص 1382 .