الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
481
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
العهد والميثاق ، ولا تناسب بين هذا المعنى وبين الكلمة وهي مصدر باب الأفعال ، وبين محتوى السورة . على كل حال ، المقصود إيجاد الألفة بين قريش وهذه الأرض المقدسة وهي مكة والبيت العتيق ، لأنهم وكل أهل مكة اختاروا السكن في هذه الأرض لمكانتها وأمنها . كثير من أهل الحجاز كانوا يحجون البيت كل سنة ، ويقترن حجهم بنشاط أدبي واقتصادي في هذا البلد الأمين . كل ذلك كان يحدث في ظل الجو الآمن . ولو أن هذا الأمن قد انعدم أو أن الكعبة قد انهدمت بفعل هجوم أبرهة وأمثاله لما كان لأحد ألفة بهذه الأرض . كلمة " قريش " في الأصل نوع من الأحياء البحرية الضخمة التي تبتلع كل ما يصادفها ، كما يقول المفسرون واللغويون ، وعن ابن عباس في معنى قريش قال : " لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه ، يقال لها القريش ، لا تمر بشئ من الغث والسمين إلا أكلته " ! واستشهد لذلك بأبيات مما قالته العرب . من هنا فإن انتخاب هذا الاسم لهذه القبيلة يعود إلى اقتدار هذه القبيلة وقوتها ، وإلى استغلال هذه القوة في الانقضاض على الآخرين . وقيل إن قريش من القرش ، وهو الإكتساب ، لأن قريشا كانت مشغولة دوما بالتجارة والكسب . وقيل : إن معنى " القرش " التفتيش والمراجعة ، وسميت قريش بذلك لتفقدها أحوال الحجاج والمسارعة لمساعدتهم . و " القرش " في اللغة ورد بمعنى الاجتماع أيضا ، وإذا كان هذا المعنى مقصودا في التسمية فذلك يعود إلى ما كانت تتصف به هذه القبيلة من اجتماع وانسجام . على أي حال اسم قريش لم يقترن بسمعة طيبة . فهم وإن كانوا عشيرة الرسول - إلا أنهم ناصبوا الإسلام أشد العداء ، ولم يألوا جهدا في وضع العراقيل أمام الدعوة والوقوف بوجهها وتعذيب الدعاة ، وبعد انتصار الإسلام عليهم ،