الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
44
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والأسلوب الثاني : وإذا مروا بهم يتغامزون فحينما يمر المشركون على مجموعة من المؤمنين يغمزون بأعينهم ويشيرون إليهم بالقول : انظروا إلى هؤلاء الفقراء المعدمين . . إنهم أصبحوا مقربين عند الله ! انظروا إلى هؤلاء الحفاة العراة . . إنهم يدعون نزول الوحي الإلهي لهم ! انظروا إليهم . . فإنهم يعتقدون بأن العظام البالية ستعود إلى الحياة مرة أخرى ! ! وما شابه ذلك ، من الكلمات الرخيصة والموهنة . . ويبدو أن ممارسة الضحك من قبل المشركين يكون حينما يمر المؤمنون من أمامهم وهم متجمعون ، في حين يمارسون الأسلوب الثاني وهو الإشارات الساخرة والغمز واللمز حين مرورهم هم أمام جمع من المؤمنين ، لعدم تمكنهم من الضحك العلني أمام جمع المؤمنين . ( 1 ) " يتغامزون " : من ( الغمز ) ، وهو الإشارة بالجفن أو اليد طلبا إلى ما فيه معاب ، وعبرت الآية بهذا اللفظ " التغامز " للإشارة إلى اشتراكهم جميعا في ذلك الفعل . ولكنهم لم يكتفوا بالنيل من المؤمنين في حضورهم من خلال الضحك والتغامز ، بل تعدوا إلى حال غيابهم أيضا ، حيث تنقل لنا الآية التالية ، الأسلوب الثالث بقولها : وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . وكأنهم في ضحكهم وتغامزهم قد نالوا فتحا كبيرا ! فتأخذهم نشوة تصور الغفلة والجهل لأن يتباهوا فيما قاموا به من فعل قبيح ، ويبقون على حالة السخرية والاستهزاء بالمؤمنين رغم غياب المؤمنين عنهم ! . . . " فكهين " : جمع ( فكه ) ، وهي صفة مشبهة من ( الفكاهة ) بمعنى التمازح والضحك ، مأخوذة من ( الفاكهة ) ، وكأن لذة الخوض في هكذا حديث وسخرية كلذة أكل الفاكهة ، كما ويطلق على حديث ذوي الأنس اسم ( فكاهة ) .
--> 1 - ذكر المفسرون احتمالين في ضمير " مروا " و " بهم " ، فارجع بعضهم الأول إلى المشركين والثاني إلى المؤمنين ، وقال البعض الآخر عكس ذلك ، ويبدو أن الاحتمال الأول أقرب بلحاظ ما ذكر أعلاه .