الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
400
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ما في القبور إما لكون الأفراد أمواتا ، أو لأنهم لا يزالون في حالة إبهام بالنسبة لهويتهم . والتعبير بالقبور لا يتنافى مع عدم وجود قبر لبعض الأفراد ، كالذين يغرقون في البحر ، أو المندرسة قبورهم ، والمتفرق تراب رفاتهم . لأن أغلب الناس لهم قبور ، أضف إلى ذلك أن القبر يمكن أن يكون له معنى واسع يشمل كل محل فيه تراب جسد الإنسان ، وإن لم يكن بشكل قبر اعتيادي . " حصل " من التحصيل ، وهو في الأصل يعني إخراج اللب من القشر ، وكذلك تصفية المعادن ، واستخراج الذهب وأمثاله من الخامات . ثم استعملت لمطلق الاستخراج والفصل . والكلمة في الآية تعني فصل الخير عن الشر في القلوب . . . الإيمان عن الكفر ، أو الصفات الحسنة عن الصفات السيئة . . . أو النوايا الحسنة عن الخبيثة . . . تفصل في ذلك اليوم وتظهر ، وينال كل فرد حسب ذلك جزاؤه . كما قال سبحانه في موضع آخر : يوم تبلى السرائر . ( 1 ) والتعبير بكلمة " يومئذ " يعني أن الله ( في ذلك اليوم ) خبير بأعمال العباد وسرائرهم . ونعلم أن الله سبحانه عليم دائما بذات الصدور . فالتعبير " يومئذ " هو لأن ذلك اليوم يوم الجزاء ، والله يجازيهم على أعمالهم وعقائدهم . هذا التعبير - كما قال بعض المفسرين - يشبه قول الذي يهدد شخصا فيقول : سأعرف ماذا دهاك ، فهو يعرف أمره الآن أيضا ، والقصد أنه سيريه نتيجة ذلك . نعم ، الله سبحانه عليم وخبير بأسرارنا وما تنطوي عليه نفوسنا كاملا . لكن أثر هذا العلم سيكون أظهر وأوضح عند الجزاء . وهذا التحذير لو دخل دائرة إيمان البشر لكان سدا منيعا بينهم وبين الذنوب العلنية والخفية ، والخارجية والباطنية ،
--> 1 - الطارق ، الآية 9 .