الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
334
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لأنها تسود بالدخان ) ، ووضع العلامة والإذلال ( 1 ) . والأنسب المعنى الأول ، وإن كانت الآية تحتمل معاني أخرى أيضا . وهل حدوث هذا السفع بالناصية في يوم القيامة ، حيث يسحب أبو جهل وأمثاله من مقدمة شعر الرأس إلى جهنم ، أم في الدنيا ، أم في كليهما ؟ لا يستبعد أن يكون في كليهما ، والشاهد على ذلك الرواية التالية : " لما نزلت سورة الرحمن ، علم القرآن . . . قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأصحابه : من يقرؤها منكم على رؤوساء قريش ؟ فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال : أنا يا رسول الله ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال : من يقرؤها عليهم ؟ فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثا كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقي عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جثته . ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، فافتتح قراءة السورة ، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه وأدماه ، فانصرف وعيناه تدمع . فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه وأطرق رأسه مغموما ، فإذا جبريل عليه السلام يجئ ضاحكا مستبشرا ، فقال : يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكي ! فقال : ستعلم . فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في المجاهدين ، فأخذ يطالع القتلى : فإذا أبو جهل مصروع يخور . . . فصعد على صدره ، فلما رآه أبو جهل قال : يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقى صعبا . فقال ابن مسعود : الإسلام يعلو ولا يعلى عليه . فقال أبو جهل : بلغ صاحبك أنه لم يكن أحد أبغض إلي منه في حياتي ، ولا أحد أبغض إلي منه في حال مماتي . روي أنه عليه السلام لما سمع ذلك قال : " فرعوني أشد من فرعون موسى
--> 1 - التفسير الكبير ، ج 32 ، ص 23 .