الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
256
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
قال بعضهم أن " ما " في الآية مصدرية ، ومعناها أقسم بخلق الذكر والأنثى وهذا الاحتمال ضعيف في معنى الآية . الحقيقة أن القسمين الأول والثاني يشيران إلى الآيات " الآفاقية " ، والقسم الثالث إلى الآيات " الأنفسية " . ( 1 ) ثم يأتي الهدف النهائي من كل هذه الأقسام بقوله سبحانه : إن سعيكم لشتى اتجاهات سعيكم مختلفة ، ونتائجها مختلفة أيضا ، هذا يعني أن أفراد البشر لا يستقرون في حياتهم على حال . . . بل هم في سعي مستمر . . . وفي استثمار دائم للطاقة التي أودعها الله في نفوسهم . . . فانظر أيها الإنسان في أي مسير تبذل هذه الطاقة التي هي رأس مال وجودك . . . في أي اتجاه . . . وفي سبيل أية غاية ؟ ! حذار من تبديد كل هذه الطاقات في سبيل نتيجة تافهة . . . وحذار من بيعها بثمن بخس ! " شتى " جمع " شتيت " من مادة " شت " أي فرق الجمع ، وهنا بمعنى التفرق والتشعب في المساعي من حيث الكيفية والهدف والنتيجة . ثم يأتي تقسيم الناس على قسمين ، ويبين خصائص كل قسم ، يقول سبحانه : فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى . المقصود من الإعطاء في قوله : " أعطى " هو الإنفاق في سبيل الله ومساعدة المحتاجين . والتأكيد على " التقوى " عقب الإعطاء قد يشير إلى ضرورة تنزيه النية وإخلاص القصد عند الإنفاق ، وإلى الحصول على المال من طريق مشروع ، وإنفاقه في طريق مشروع أيضا ، وإلى خلوه من المن والأذى . . . فكل هذه الصفات
--> 1 - هذا التقسيم للآيات مستلهم من قوله سبحانه : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم .