الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

236

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولو كان المراد من النفس الروح والجسم معا ، فالتسوية تشمل أيضا ما في البدن من أنظمة وأجهزة يدرسها علم التشريح وعلم الفسلجة . وفي القرآن الكريم وردت " نفس " بكلا المعنيين ، بمعنى الروح ، كقوله سبحانه في الآية ( 42 ) من سورة الزمر : الله يتوفى الأنفس حين موتها . . . وبمعنى الجسم ، كقوله سبحانه في الآية ( 33 ) من سورة القصص : قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون . والأنسب هنا أن يكون معنى النفس هنا شاملا للمعنيين لأن قدرة الله سبحانه تتجلى في الاثنين معا . ويلاحظ أن الآية ذكرت كلمة " نفس " نكرة وفي ذلك إشارة إلى ما في النفس من عظمة تفوق قدرة التصور وإلى ما يحيطها من إبهام ، يجعلها موجودا مجهولا . وهذا ما حدا ببعض العلماء المعاصرين أن يتحدث عن الإنسان في كتابه تحت عنوان : " الإنسان ذلك المجهول " . الآية التالية تتناول أهم ظاهرة في الخليقة وتقول : فألهمها فجورها وتقواها . نعم ، حين اكتملت خلقة الإنسان وتحقق وجوده ، علمه الله سبحانه الواجبات والمحظورات . وبذلك أصبح كائنا مزيجا في خلقته من " الحمأ المسنون " و " نفخة من روح الله " ، ومزيجا في تعليمه من " الفجور " و " التقوى " . أصبح بالتالي كائنا يستطيع أن يتسلق سلم الكمال الإنساني ليفوق الملائكة ، ومن الممكن أن ينحط لينحدر عن مستوى الأنعام ويبلغ مرحلة بل هم أضل . وهذا يرتبط بالمسير الذي يختاره الإنسان عن إرادة . " ألهمها " من الإلهام ، وهو في الأصل بمعنى البلع والشرب ، ثم استعمل في إلقاء الشئ في روع الإنسان من قبل الله تعالى ، وكأن الإنسان يبتلع ذلك الشئ ويتشربه بجميع وجوده .