الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

210

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إشارة إلى قول الذين يطلب منهم أن ينفقوا أموالهم في الخيرات ، فيأبون ويقولون بغرور : إننا أنفقنا في هذا السبيل كثيرا من الأموال ، بينما لم ينفق هؤلاء شيئا ، وإن أعطوا لأحد شيئا فللرياء ولتحقيق هدف شخصي . وقيل إنها نزلت في نفر أنفقوا الأموال الطائلة في معاداة الرسول والرسالة ، وتباهوا بذلك ، يؤيد ذلك قول " عمرو بن عبد ود " في حرب الخندق حين عرض عليه علي ( عليه السلام ) الإسلام قال : فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا ؟ ( 1 ) أي أنفقت مالا كثيرا في عداوة النبي . وقيل إنها نزلت في بعض رجال قريش وهو " الحرث بن عامر " ، وذلك أنه أذنب ذنبا ، فستفتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأمره أن يكفر . فقال : لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات ، منذ دخولي دين محمد ( 2 ) . والجمع بين التفاسير المذكورة جائز ، وإن كان التفسير الأول أكثر انسجاما مع سياق الآيات التالية : والفعل " أهلكت " يوحي إبادة الأموال وعدم الحصول على عائد منها . و " لبد " : تعني الشئ المتراكم ، وهنا تعني المال الوفير . أيحسب أن لم يره أحد . إنه غافل عن هذه الحقيقة . . . حقيقة اطلاع الباري تعالى على كل الأمور وعلى ظواهر الأعمال ، بل على ما يختلج في أعماق النفس والقلب ، وما يدور في الخلد والنية . . . وهل من المعقول أن لا يحيط المطلق الحق بكل شئ ؟ ! هؤلاء الغافلون دفعهم جهلهم لأن يروا أنفسهم بمعزل عن الرقابة الإلهية . نعم ، الله سبحانه يعلم مصدر حصولهم على هذه الأموال ، ويعلم السبيل الذي انفقوها فيه .

--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 580 ، الحديث 10 . 2 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 493 .