الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

196

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

حرم الله لحمك علي ، فلا يبقى أحد إلا قال : نفسي نفسي ، وإن محمدا يقول : رب أمتي أمتي " . ( 1 ) نعم ، فحينما يرى المذنب كل تلك الحوادث تهتز فرائصه ويتزلزل رعبا ، فيستيقظ من غفلته ويعيش حالة الهم والغم ، ويتحسر على كل لحظة مرت من حياته بعدما يرى ما قدمت يداه ، ولكن . هل للحسرة حينها من فائدة ؟ ! وكم سيتمنى المذنب لو تسنح له الفرصة ثانية للرجوع إلى الدنيا وإصلاح ما أفسد ، ولكنه سيرى أبواب العودة مغلقة ، ولا من مخرج ! . . . ويود التوبة . . وهل للتوبة من معنى بعد غلق أبوابها ؟ ! ويريد أن يعمل صالحا . . ولكن أين ؟ فقد طويت صحائف الأعمال ، ويومها يوم حساب بلا عمل ! . . . وعندها . . بملأ يصرخ كيانه : يقول يا ليتني قدمت لحياتي . وفي قولته نكتة لطيفة ، فهو لا يقول قدمت لآخرتي بل " لحياتي " ، وكأن المعنى الحقيقي للحياة لا يتجسد إلا في الآخرة . كما أشارت لهذه الآية ( 64 ) من سورة العنكبوت : وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون . نعم ، ففي دنياهم : يسرقون أموال اليتامى ، لم يطعموا المساكين ، يأخذون من الإرث أكثر مما يستحقون ويحبون المال حبا جما . وفي أخراهم ، يقول كل منهم : يا ليتني قدمت لحياتي الحقيقية الباقية . . ولكن التمني ليس أكثر من رأس مال المفلسين . وتشير الآية التالية إلى شدة العذاب الإلهي : فيومئذ لا يعذب عذابه أحد .

--> 1 - مجمع البيان ، ج 10 ، ص 483 ، وعنه الميزان ، ج 20 ، ص 415 ، ومثله في تفسير الدر المنثور .