الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
134
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكن لعدم ثبوت وجود هكذا آيات ، فلا يمكننا الاعتماد على هذا القول الآنف أعلاه . وقيل أيضا : إن الاستثناء يختص بقراءة بعض الآيات ، فعلى هذا يكون مفهوم الآية هو : إننا سنقرئك آيات القرآن إلا بعض الآيات التي أراد الله عز وجل أن تبقى في مخزون علمه . . ولا يتوافق هذا القول مع سياق الآية . أما جملة : إنه يعلم الجهر وما يخفى فلبيان علة أمر تضمنته جملة سنقرئك ، أي : إن العليم جل اسمه عالم بجميع حقائق الوجود ، أما ما يوحيه إليك ، فهو ما يحتاج إليه البشر ، ويصلك بالكامل دون أن ينقص منه شئ . وقيل أيضا : إن مراد الآية هو : على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن لا يتعجل في أخذ الوحي ، وأن لا يخشى نسيانه ، فالله الذي يعلم الأمور ما خفي منها وما ظهر ، سوف لا يتركه وقد تعهد له بالحفظ . وعلى أية حال ، فمن معاجز النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قابليته على حفظ الآيات والسور الطوال بعد تلاوة واحدة من جبرائيل ( عليه السلام ) ، دون أن ينسى منها شيئا أبدا . وتخاطب الآية التالية النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مسلية له : ونيسرك لليسرى . ( 1 ) أي ، إخبار النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بصعوبة الطريق في كافة محطاته ، من تلقي الوحي وحفظه حتى البلاغ والنشر والتعليم والعمل به ، وتطمئنه بالرعاية والعناية الربانية ، بتذليل صعابه من خلال تيسيرها له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ويمكن كذلك أن تكون إشارة الآية إلى أن طبيعة الرسالة الإسلامية والتكاليف التي تضمنتها ، طبيعة سهلة وسمحة ، خالية من الحرج والمشقة . وهذا المعنى يعطي شمولية أكثر لمفهوم الآية ، بالرغم من أن أكثر المفسرين قد
--> 1 - قال بعض المفسرين : إن مفهوم الآية هو : " نيسر اليسرى لك " ، وإنما حصل فيها التقديم والتأخير للتأكيد ، وهذا على أن لا تكون " نيسرك " بمعنى ( نوفقك ) ، وإلا لم تكن هناك حاجة للتقديم والتأخير .