الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
126
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فينبغي على المؤمنين ألا يتعاملوا مع اسمه الجليل كتعامل عبدة الأصنام ، بأن يضعوا اسمه تعالى مع أسماء أصنامهم ، ولا يفعلوا كما يفعل المجسمة ، ممن وقعوا في خطأ كبير وفاحش حينما نسبوا إلى الباري جل جلاله الصفات الجسمية . الأعلى : أي الاعلى من كل : أحد ، تصور ، تخيل ، قياس ، ظن ، وهم ، ومن أي شرك بشقيه الجلي والخفي . ربك : إشارة إلى أنه غير ذلك الرب الذي يعتقد به عبدة الأصنام . وبعد ذكر هاتين الصفتين ( الرب والأعلى ) ، تذكر الآيات التالية خمس صفات تبين ربوبية الله العليا . . : الذي خلق فسوى سوى : من ( التسوية ) ، وهي الترتيب والتنظيم ، ويضم هذا المفهوم بين جناحيه كل أنظمة الوجود ، مثل : النظام السماوي بنجومه وكواكبه ، والأنظمة الحاكمة على المخلوقات في الأرض ، ولا سيما الإنسان من حيث الروح والبدن . أما ما قيل ، من كونها إشارة إلى نظام اليد أو العين أو اعتدال القامة ، فهذا في واقعه لا يتعدى أن يكون إلا بيان لمصداق محدود من مصاديق هذا المفهوم الواسع . وعلى أية حال ، فنظام عالم الخليقة ، بدءا من أبسط الأشياء ، كبصمات الأصابع التي أشارت إليها الآية ( 4 ) من سورة القيامة بلى قادرين على أن نسوي بنانه ، وانتهاء بأكبر منظومة سماوية ، كلها شواهد ناطقة على ربوبية الله سبحانه وتعالى ، وأدلة إثبات قاطعة على وجوده عز وجل . وبعد ذكر موضوعي الخلق والتنظيم ، تنتقل بنا الآية التالية إلى حركة الموجودات نحو الكمال : والذي قدر فهدى . والمراد ب ( قدر ) ، هو : وضع البرامج ، وتقدير مقادير الأمور اللازمة للحركة باتجاه الأهداف المرسومة التي ما خلقت الموجودات إلا لأجلها . والمراد ب ( هدى ) هنا ، هي : الهداية الكونية ، على شكل غرائز وسنن طبيعية