مؤسسة آل البيت ( ع )
11
مجلة تراثنا
هذه الأمة العريضة الطويلة في المكان والزمان ، لها من التراث العلمي والأدبي والحضاري ، ما ضاقت عنه أرضها الواسعة ففاض على الآخرين مشاعل نور ، انساح نورها فعم الأرض كلها . تراث هذه الأمة أضخم تراث عرفته الدنيا ، وحسبك إن ما بقي من مخطوطات اللغة العربية فقط ثلاثة ملايين مخطوط ، عدا ما اجتاحته النكبات وأودت به الملمات ، فضلا عن أخوات للعربية أثمرن فأطيبن وأكثرن كالفارسية والتركية والأردوية . . . وحسبك أن رجال هذه الأمة وأعلامها نيفوا على نصف مليون علم ، كما يقول أحد علماء التراجم . أما تراثها الغني - بناء وزخرفة وخطا ونقشا وابتكارا - مما يقر العين ويبهج القلب ، فحدث عن البحر ولا حرج . هذا التراث الذي صرفت فيه جواهر الاعمار ، وبذلت في سبيله أنوار العيون ، وحماه السلف ذو والفضل بمهج النفوس ، حري بمن يعرفه أن يغار عليه ، وأن يحوطه كما حاطه السابقون . أذكر - فيما أذكر - أن أمين مكتبة من هؤلاء الذين ليس لهم بالكتاب علاقة إلا قبض المرتب رأس كل شهر ، طلبت منه تصوير مخطوطة من نفائس كتبنا ، تمتاز بجودة الخط وغرابته ، ونفاسة الموضوع وأهميته ، وكانت النسخة ناصلة الأوراق من جلدها ، قد تكسر من حوافها الثلاثة ما يقرب من السنتيمتر من كل ورقة . جاءني بالمخطوطة وسألني : هل يصورها كلها ، حتى الكلمة التي دونها مالكها المتأخر ؟ ! فأخذت النسخة ، وكحلت عيني برؤيتها ، وطلبت تصويرها كلها - من الجلد إلى الجلد - وأعطيته المخطوطة ، فأخذ يعدل أوراقها بضرب حوافها على منضدة أمامه وكسار الأوراق يتناثر وقلبي ينزو بين أضلاعه ، فما ملكت نفسي أن قلت له : ما كفاكم ، أن ألقت بين أيديكم عوادي الزمان بهذه الدرة المصونة ، ممزقة الإهاب ، مفككة الأوصال . فلا برسول الله صلى الله عليه وآله - وهو أبو هذه النسخة التي تفتخرون بملكيتكم لها - . . . اقتديتم ، حيث أمر بإعزاز كريم ذل ، ولا الرحمة استشعرتم ، فأسوتم لحاها وأشفقتم عليها . حتى صرتم ترضون ضلوعها ، وتسيلون دموعها . فضحك مني . . وذهب يصورها .