القرطبي
78
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق " وبعد ألا تكون هذه الخاصية . فوجه الكلام أنه ليس ، لنا إلى بناتك تعلق ، ولا هن قصدنا ، ولا لنا عادة نطلب ذلك . ( وإنك تعلم ما نريد ) إشارة إلى الأضياف . قوله تعالى : ( قال لو أن لي بكم قوة ) لما رأى استمرارهم في غيهم ، وضعف عنهم ، ولم يقدر على دفعهم ، تمنى لو وجد عونا على ردهم ، فقال على جهة التفجع والاستكانة . : " لو أن لي بكم قوة " أي أنصارا وأعوانا . وقال ابن عباس : أراد الولد . و " أن " في موضع رفع بفعل مضمر ، تقديره : لو اتفق أو وقع . وهذا يطرد في " أن " التابعة ل " لو " . وجواب " لو " محذوف ، أي لرددت أهل الفساد ، وحلت بينهم وبين ما يريدون . ( أو آوى إلى ركن شديد ) أي ألجأ وأنضوي . وقرئ " أو آوي " بالنصب عطفا على " قوة " كأنه قال : " لو أن لي بكم قوة " أو إيواء إلى ركن شديد ، أي وأن آوي ، فهو منصوب بإضمار " أن " . ومراد لوط بالركن العشيرة ، والمنعة بالكثرة . وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى ، فيروى أن الملائكة وجدت عليه حين قال هذه الكلمات ، وقالوا : إن ركنك لشديد . وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد " الحديث ، وقد تقدم في " البقرة " ( 1 ) . وخرجه الترمذي وزاد " ما بعث الله بعده نبيا إلا في ثروة من قومه " . قال محمد بن عمرو : والثروة الكثرة والمنعة ، حديث حسن . ويروى أن لوطا عليه السلام لما غلبه قومه ، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه ، قالت له الرسل : تنح عن الباب ، فتنحى وانفتح الباب ، فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم ، وعموا وانصرفوا على أعقابهم يقولون : النجاء ، قال الله تعالى : " ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم " ( 2 ) [ القمر : 37 ] . وقال ابن عباس وأهل التفسير : أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار ، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب ، وهم يعالجون تسور الجدار ، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم ، قالوا : يا لوط إن ركنك لشديد ، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود ،
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 298 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 143 .