القرطبي

52

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أي وأشهدكم ، لا أنهم كانوا أهل شهادة ، ولكنه نهاية للتقرير ، أي لتعرفوا ( إني برئ مما ) أي من عبادة الأصنام التي تعبدونها . ( فكيدوني جميعا ) أي أنتم وأوثانكم في عداوتي وضري . ( ثم لا تنظرون ) أي لا تؤخرون . وهذا القول مع كثرة الأعداء يدل على كمال الثقة بنصر الله تعالى . وهو من أعلام النبوة ، أن يكون الرسول وحده يقول لقومه : " فكيدوني جميعا " . وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش . وقال نوح صلى الله عليه وسلم " فاجمعوا أمركم وشركاءكم " ( 1 ) [ يونس : 71 ] الآية . قوله تعالى : ( إني توكلت على الله ربى وربكم ) أي رضيت بحكمه ، ووثقت بنصره . ( ما من دابة ) أي نفس تدب على الأرض ، وهو في موضع رفع بالابتداء . ( إلا هو آخذ بناصيتها ) أي يصرفها كيف يشاء ، ويمنعها مما يشاء ، أي فلا تصلون إلى ضري . وكل ما فيه روح يقال له دأب ودابة ، والهاء للمبالغة . وقال الفراء : مالكها ، والقادر عليها . وقال القتبي : قاهرها ، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته . وقال الضحاك : يحييها ثم يميتها ، والمعنى متقارب . والناصية قصاص الشعر في مقدم الرأس . ونصوت الرجل أنصوه نصوا أي مددت ناصيته . قال ابن جريج : إنما خص الناصية ، لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع ، فيقولون . ما ناصية فلان إلا بيد فلان ، ألا إنه مطيع له يصرفه كيف يشاء . وكانوا إذا أسروا أسيرا وأرادوا إطلاقه والمن عليه جزوا ناصيته ليعرفوا بذلك فخرا عليه ، فخاطبهم بما يعرفونه في كلامهم . وقال ، الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " قوله تعالى : " ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها " وجهه عندنا أن الله تعالى قدر مقادير أعمال العباد ، ثم نظر إليها ، ثم خلق خلقه ، وقدر نفذ بصره في جميع ما هم فيه عاملون من قبل أن يخلقهم ، فلما خلقهم وضع نور تلك النظرة في نواصيهم فذلك النور أخذ بنواصيهم ، يجريهم إلى أعمالهم المقدرة عليهم يوم المقادير . وخلق الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " . ولهذا

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 362 .