القرطبي

380

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وقد مكروا مكرهم ) أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة ، عن ابن عباس وغيره . ( وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) " إن " بمعنى " ما " أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه ، " وإن " بمعنى " ما " في القرآن في مواضع خمسة : أحدها هذا . الثاني - " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك " ( 1 ) [ يونس : 94 ] . الثالث - " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا " ( 2 ) [ الأنبياء : 17 ] أي ما كنا . الرابع - " قل إن كان للرحمن ولد " ( 3 ) [ الزخرف : 81 ] . الخامس - " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه " ( 3 ) [ الأحقاف : 26 ] . وقرا الجماعة " وإن كان " بالنون . وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبي " وإن كاد " بالدال . والعامة على كسر اللام في " لتزول " على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصبا . وقرأ بن محيصن وابن جريج والكسائي " لتزول " بفتح اللام الأول على أنها لام الابتداء ورفع الثانية " وإن " مخففة من الثقيلة ، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم ، أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه ، قال الطبري : الاختيار القراءة الأولى ، لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة ، قال أبو بكر الأنباري : ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن دانيل ( 4 ) قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إن جبارا من الجبابرة قال لا انتهى حتى أعلم من في السماوات ، فعمد إلى فراخ نسور ، فأمر أن تطعم اللحم ، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت ( 5 ) أمر بأن يتخذ تابوت يسع فيه رجلين ، وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته ، وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد ، وتشد إلى قوائم التابوت ، ثم جلس هو وصاحب له من التابوت وأثار النسور ، فلما رأت اللحم طلبته ، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟ فقال : أرى الجبال كأنها ذباب ، فقال : أغلق الباب ، ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟ فقال : ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا ، فقال : نكس العصا فنكسها ، فانقضت النسور . فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هدة كادت الجبال تزول عن

--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 382 . ( 2 ) راجع ج 11 ص 275 . ( 3 ) راجع ج 16 ص 119 وص 208 . ( 4 ) هذا السند في كل الأصول ولم نقف عليه رغم البحث . استعجلت : غلطت .