القرطبي
370
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مسألة - لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرض مضيعة اتكالا على العزيز الرحيم ، واقتداء بفعل إبراهيم الخليل ، كما تقول غلاة الصوفية في حقيقة التوكل ، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسماعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة ، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة ، وترك ابنه وأمته هنالك وركب منصرفا من يومه ، فكان ذلك كله بوحي من الله تعالى ، فلما ولي دعا بضمن هذه الآية . الثانية - لما أراد الله تأسيس الحال ، وتمهيد المقام ، وخط الموضع للبيت المكرم ، والبلد المحرم ، أرسل الملك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء ، وفي الصحيح : أن أبا ذر رضي الله عنه اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة ، قال أبو ذر : ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكنى ( 1 ) ، وما أجد على كبدي سخفة جوع ( 2 ) ، وذكر الحديث . وروي الدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ماء زمزم لما شرب له إن شربته تشتفي به شفاك الله وإن شربته لشبعك أشبعك الله به وإن شربته لقطع ظمئك قطعه وهي هزمة ( 3 ) جبريل وسقيا الله إسماعيل " . وروي أيضا عن عكرمة قال : كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال : اللهم إني أسألك علما نافعا ، ورزقا واسعا ، وشفاء من كل داء . قال ابن العربي : وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحت نيته ، وسلمت طويته ، ولم يكن به مكذبا ، ولا يشربه مجربا ، فإن الله مع المتوكلين ، وهو يفضح المجربين . وقال أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي وحدثني أبي رحمه الله قال : دخلت الطواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني ، فجعلت أعتصر ( 4 ) حتى آذاني ، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام ، وذلك أيام الحج ، فذكرت هذا الحديث ، فدخلت زمزم فتضلعت ( 5 ) منه ، فذهب عني إلى الصباح . وروي عن عبد الله بن عمرو : إن في زمزم عينا في الجنة من قبل الركن .
--> ( 1 ) جمع عكنة : وهي ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا . ( 2 ) سخفة الجوع : رقته وهزاله . ( 3 ) هزمة جبريل : أي ضربها برجله فنبع الماء . ( 4 ) العصر : المنع والحبس . ( 5 ) تضلع : أكثر من الشرب حتى تمدد جنبه وأضلاعه .