القرطبي

348

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) " ما " استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و " لنا " الخبر ، وما بعدها في موضع الحال ، التقدير : أي شئ لنا في ترك التوكل على الله . ( وقد هدانا سبلنا ) أي الطريق الذي يوصل إلى رحمته ، وينجي من سخطه ونقمته . ( ولنصبرن ) لام قسم ، مجازه : والله لنصبرن ( على ما آذيتمونا ) به ، أي من الإهانة والضرب ، والتكذيب والقتل ، ثقة بالله أنه يكفينا ويثيبنا . ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) . قوله تعالى : وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ( 13 ) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ( 14 ) قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا ) اللام لام قسم ، أي والله لنخرجنكم . ( أو لتعودن ) أي حتى تعودوا أو إلا أن تعودوا ، قاله الطبري وغيره . قال ابن العربي : وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير ، فإن " أو " على بابها من التخيير ، خير الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم ، وهذه سيرة الله تعالى في رسله وعباده ، ألا ترى إلى قوله : " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا . سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " ( 1 ) [ الإسراء : 76 - 77 ] وقد تقدم هذا المعنى في " الأعراف " ( 2 ) وغيرها . ( في ملتنا ) أي إلى ديننا ، ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من بعدهم ) . قوله تعالى : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) أي مقامه بين يدي يوم القيامة ، فأضيف المصدر إلى الفاعل . والمقام مصدر كالقيام ، يقال : قام قياما ومقاما ، وأضاف ذلك إليه لاختصاصه به . والمقام بفتح الميم مكان الإمامة ، وبالضم فعل الإقامة ، و " ذلك لمن خاف مقامي " أي قيامي عليه ، ومراقبتي له ، قال الله تعالى : " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت " ( 3 ) [ الرعد 33 ] . وقال الأخفش : " ذلك لمن خاف مقامي " أي عذابي ، " وخاف وعيد " أي القرآن وزواجره . وقيل : إنه العذاب . والوعيد الاسم من الوعد .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 301 . ( 2 ) راجع ج 7 ص 350 . ( 3 ) راجع ص 322 من هذا الجزء .