القرطبي

345

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أبا لا يعرفون . وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ : " لا يعلمهم إلا الله " . كذب النسابون . ( جاءتهم رسلهم بالبينات ) أي بالحجج والدلالات . ( فردوا أيديهم في أفواههم ) أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا ( 1 ) مما جاء به الرسل ، إذ كان فيه تسفيه أحلامهم ، وشتم أصنامهم ، قاله بن مسعود ، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد ، وقرأ : " عضوا عليكم الأنامل من " الغيظ " ( 2 ) [ آل عمران : 119 ] . وقال ابن عباس : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم . وقال أبو صالح : كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم : أن أسكت ، تكذيبا له ، وردا لقوله ، وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . والضميران للكفار ، والقول الأول أصحها إسنادا ، قال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص [ عن ] ( 3 ) عبد الله في قوله تعالى : " فردوا أيديهم في أفواههم " قال : عضوا عليها غيظا ، وقال الشاعر : لو أن سلمى أبصرت تخددي ( 4 ) * ودقة في عظم ساقي ويدي وبعد أهلي وجفاء عودي * عضت من الوجد بأطراف اليد وقد مضى هذا المعنى في " آل عمران " ( 2 ) مجودا ، والحمد لله . وقال مجاهد وقتادة : ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم ، فالضمير الأول للرسل ، والثاني للكفار . وقال الحسن وغيره : جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم ، فالضمير الأول على هذا للكفار ، والثاني للرسل . وقيل معناه : أومأوا للرسل أن يسكتوا . وقال مقاتل : أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم . وقيل : رد الرسل أيدي القوم في أفواههم . وقيل : إن الأيدي هنا النعم ، أي ردوا نعم الرسل بأفواههم ، أي بالنطق والتكذيب ، ومجئ الرسل بالشرائع نعم ، والمعنى : كذبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل . و " في " بمعنى الباء ، يقال : جلست في البيت وبالبيت ، وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض . وقال أبو عبيدة : هو ضرب مثل ، أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا ، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن

--> ( 1 ) من ى ، وهي رواية ابن عباس . وفى ا وح‍ وو : عضا . ( 2 ) راجع ج 4 ص 182 . ( 3 ) من ى . ( 4 ) التخدد : أن يضطرب اللحم من الهزال .