القرطبي
332
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الحسن : " يمحو الله ما يشاء " من جاء أجله ، " ويثبت " من لم يأت أجله . وقال الحسن : يمحو الآباء ، ويثبت الأبناء . وعنه أيضا . ينسي الحفظة من الذنوب ولا ينسى . وقال السدي : " يمحو الله ما يشاء " يعني : القمر ، " ويثبت " يعني : الشمس ، بيانه قوله : " فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة " ( 1 ) [ الإسراء : 12 ] وقال الربيع بن أنس : هذا في الأرواح حالة النوم ، يقبضها عند النوم ، ثم إذا أراد موته فجأة أمسكه ، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه ، بيانه قوله : " الله يتوفى الأنفس حين موتها " ( 2 ) الآية [ الزمر : 42 ] . وقال علي بن أبي طالب يمحو الله ما يشاء من القرون ، كقوله : " ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون " ( 2 ) [ يس : 31 ] ويثبت ما يشاء منها ، كقوله : " ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " ( 3 ) [ المؤمنون : 31 ] فيمحو قرنا ، ويثبت قرنا . وقيل : هو الرجل يعمل الزمن الطويل بطاعة الله ، ثم يعمل بمعصية الله فيموت على ضلاله ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله الزمان الطويل ثم يتوب ، فيمحوه الله من ديوان السيئات ، ويثبته في ديوان الحسنات ، ذكره الثعلبي والماوردي عن ابن عباس . وقيل : يمحو الله ما يشاء - يعني الدنيا - ويثبت الآخرة . وقال قيس بن عباد في اليوم العاشر من رجب : هو اليوم الذي يمحو الله فيه ما يشاء ، ويثبت فيه ما يشاء ، وقد تقدم عن مجاهد أن ذلك يكون في رمضان . وقال ابن عباس : إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام ، من درة بيضاء ، لها دفتان من ياقوتة حمراء ، لله فيه ( 4 ) كل يوم ثلاثمائة وستون نظرة ، يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء . وروي أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله سبحانه يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء " . والعقيدة أنه لا تبديل لقضاء الله ، وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء ، وقد تقدم أن من القضاء ما يكون واقعا محتوما ، وهو الثابت ، ومنه ما يكون مصروفا بأسباب ، وهو الممحو ، والله أعلم . وقال الغزنوي : وعندي أن ما في اللوح خرج عن الغيب لإحاطة بعض الملائكة ، فيحتمل التبديل ، لأن إحاطة الخلق بجميع علم الله محال ، وما في علمه من تقدير الأشياء لا يبدل . " وعنده أم الكتاب " أصل ما كتب من الآجال
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 227 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 265 وص 22 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 120 فما بعد . ( 4 ) من ى .