القرطبي
319
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
جلسوا خلف الكعبة ، ثم أرسلوا إلى رسول الله فأتاهم ، فقال له عبد الله : إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة بالقرآن ، فأذهبها عنا حتى تنفسح ، فإنها أرض ضيقة ، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا ، حتى نغرس ونزرع ، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه ، وسخر لنا الريح فنركبها إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا ، ثم نرجع من يومنا ، فقد كان سليمان سخرت له الريح كما زعمت ، فلست بأهون على ربك من سليمان بن داود ، وأحي لنا قصيا ( 1 ) جدك ، أو من شئت أنت من موتانا نسأله ، أحق ما تقول أنت أم باطل ؟ فإن عيسى كان يحيى الموتى ، ولست بأهون على الله منه ، فأنزل الله تعالى : " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " الآية ، قال معناه الزبير بن العوام ومجاهد وقتادة والضحاك ، والجواب محذوف تقديره : لكان هذا القرآن ، لكن حذف إيجازا ، لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه ، كما قال امرؤ القيس : فلو أنها نفس تموت جميعة * ولكنها نفس تساقط أنفسا يعني لهان علي ، هذا معنى قول قتادة ، قال : لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم . وقيل : الجواب متقدم ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، أي وهم يكفرون بالرحمن لو أنزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا . الفراء : يجوز أن يكون الجواب لو فعل بهم هذا لكفروا بالرحمن . الزجاج : " ولو أن قرآنا " إلى قوله : " الموتى " لما آمنوا ، والجواب المضمر هنا ما أظهر في قوله : " ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة " [ الأنعام : 111 ] إلى قوله : " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله " ( 2 ) [ الأنعام : 111 ] . ( بل لله الأمر جميعا ) أي هو المالك لجميع الأمور ، الفاعل لما يشاء منها ، فليس ما تلتمسونه مما يكون بالقرآن ، إنما يكون بأمر الله . قوله تعالى : ( أفلم ييئس الذين آمنوا ) قال الفراء قال الكلبي : " ييأس " بمعنى يعلم ، لغة النخع ، وحكاه القشيري عن ابن عباس ، أي أفلم يعلموا ، وقاله الجوهري في الصحاح .
--> ( 1 ) هو قصي بن كلاب . ( 2 ) راجع ج 7 ص 66 .