القرطبي
314
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) لما ذكر الموفين بعهده ، والمواصلين لأمره ، وذكر ما لهم ذكر عكسهم . نقض الميثاق : ترك أمره . وقيل : إهمال عقولهم ، فلا يتدبرون بها ليعرفوا الله تعالى . ( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) أي من الأرحام . والإيمان بجميع الأنبياء . ( ويفسدون في الأرض ) أي بالكفر وارتكاب المعاصي ( أولئك لهم اللعنة ) أي الطرد والإبعاد من الرحمة . ( ولهم سوء الدار ) أي سوء المنقلب ، وهو جهنم . وقال سعد بن أبي وقاص : والله الذي لا إله إلا هو ! إنهم الحرورية . قوله تعالى : ( الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) لما ذكر عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك بين أنه تعالى الذي يبسط الرزق ويقدر في الدنيا ، لأنها دار امتحان ، فبسط الرزق على الكافر لا يدل على كرامته ، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على إهانتهم . " ويقدر " أي يضيق ، ومنه " ومن قدر عليه رزقه " ( 1 ) [ الطلاق : 7 ] أي ضيق . وقيل : " يقدر " يعطي بقدر الكفاية . ( وفرحوا بالحياة الدنيا ) يعني مشركي مكة ، فرحوا بالدنيا ولم يعرفوا غيرها ، وجهلوا ما عند الله ، وهو معطوف على " ويفسدون في الأرض " . وفي الآية تقديم وتأخير ، التقدير : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا . ( وما الحياة الدنيا في الآخرة ) أي في جنبها . ( إلا متاع ) أي متاع من الأمتعة ، كالقصعة والسكرجة ( 2 ) . وقال مجاهد : شئ قليل ذاهب ، من متع النهار إذا ارتفع ، فلا بد له من زوال . ابن عباس : زاد كزاد الراعي . وقيل : متاع الحياة الدنيا ما يستمتع بها منها . وقيل : ما يتزود منها إلى الآخرة ، من التقوى والعمل الصالح ، " ولهم سوء الدار " ثم ابتدأ . " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " أي يوسع ويضيق . قوله تعالى : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب ( 27 ) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ( 28 )
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 170 . ( 2 ) السكرجة : إناء صغير يؤكل فيه الشئ القليل من الأدم ، وهي فارسية .