القرطبي
306
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" سوق العروس " ( 1 ) إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل القرآن بالماء . ومثل القلوب بالأودية ، ومثل المحكم بالصافي ، ومثل المتشابه بالزبد . وقيل : الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تلعها ، كما أن ماء السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي باقيا ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال السنية . والأخلاق الزكية ، التي بها جمال الرجال ، وقوام صالح الأعمال ، كما أن من الذهب والفضة زينة النساء . وبهما قيمة الأشياء . وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ، " يوقدون " بالياء واختاره أبو عبيد ، لقوله : " ينفع الناس " فأخبر ، ولا مخاطبة هاهنا . الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام : " أفاتخذتم من دونه أولياء " [ الرعد : 16 ] الآية . وقوله : " في النار " متعلق بمحذوف ، وهو في موضع الحال ، وذو الحال الهاء التي في " عليه " التقدير : ومما توقدون عليه ثابتا في النار أو كائنا . وفي قوله : " في النار " ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق " في النار " ب " يوقدون " من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار ، لأن الموقد عليه يكون في النار ، فيصير قوله : " في النار " غير مقيد . وقوله : " ابتغاء حلية " مفعول له . " زبد مثله " ابتداء وخبر ، أي زبد مثل زبد السيل . وقيل : إن خبر " زبد " قوله : " في النار " الكسائي : " زبد " ابتداء ، و " مثله " نعت له ، والخبر في الجملة التي قبله ، وهو " مما يوقدون " . ( كذلك يضرب الله الأمثال ) أي كما بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات . تم الكلام ، ثم قال : ( للذين استجابوا لربهم ) أي أجابوا ، واستجاب بمعنى أجاب ، قال ( 2 ) : فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقد تقدم ، أي أجاب إلى ما دعاه الله من التوحيد والنبوات . ( الحسنى ) لأنها في نهاية الحسن . وقيل : من الحسنى النصر في الدنيا ، والنعيم المقيم غدا . ( والذين لم يستجيبوا له )
--> ( 1 ) هو : أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري ، نزيل مكة المكرمة ، المتوفى بها سنة 478 وكتابه " سوق العروس " في علم القراءات . ( كشف الظنون ) . ( 2 ) هو كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار ، وصدر البيت : وداع دعا يامن يجيب إلى الندى .