القرطبي
302
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال ابن زيد : " طوعا " من دخل في الإسلام رغبة ، و " كرها " من دخل فيه رهبة بالسيف . وقيل : " طوعا " من طالت مدة إسلامه فألف السجود ، و " كرها " من يكره نفسه لله تعالى ، فالآية في المؤمنين ، وعلى هذا يكون معنى " والأرض " وبعض من في الأرض . قال القشيري : وفي الآية مسلكان : أحدهما - أنها عامة والمراد بها التخصيص ، فالمؤمن يسجد طوعا ، وبعض الكفار يسجدون إكراها وخوفا كالمنافقين ، فالآية محمولة على هؤلاء ، ذكره الفراء . وقيل على هذا القول : الآية في المؤمنين ، منهم من يسجد طوعا لا يثقل عليه السجود ، ومنهم من يثقل عليه ، لأن التزام التكليف مشقة ، ولكنهم يتحملون المشقة إخلاصا وإيمانا ، إلى أن يألفوا الحق ويمرنوا عليه . والمسلك الثاني - وهو الصحيح - إجراء الآية على التعميم ، وعلى هذا طريقان : أحدهما - أن المؤمن يسجد طوعا ، وأما الكافر فمأمور : السجود مؤاخذ به . والثاني - وهو الحق - أن المؤمن يسجد ببدنه طوعا ، وكل مخلوق من المؤمن والكافر يسجد من حيث إنه مخلوق ، يسجد دلالة وحاجة إلى الصانع ، وهذا كقوله : " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " ( 1 ) [ الإسراء : 44 ] وهو تسبيح دلالة لا تسبيح عبادة . ( وظلالهم بالغدو والآصال ) أي ظلال الخلق ساجدة لله تعالى بالغدو والآصال ، لأنها تبين في هذين الوقتين ، وتميل من ناحية إلى ناحية ، وذلك تصريف الله إياها على ما يشاء ، وهو كقوله تعالى : " أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون " [ النحل : 48 ] قاله ابن عباس وغيره . وقال مجاهد : ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع ، وظل الكافر يسجد كرها وهو كاره . وقال ابن الأنباري : يجعل للظلال عقول تسجد بها وتخشع بها ، كما جعل للجبال أفهام حتى خاطبت وخوطبت . قال القشيري : في هذا نظر ، لأن الجبل عين ، فيمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة ، وأما الظلال فآثار وأعراض ، ولا يتصور تقدير الحياة لها ، والسجود بمعنى الميل ، فسجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب ، يقال : سجدت النخلة أي مالت . و " الآصال " جمع أصل ، والأصل جمع أصيل ، وهو ما بين العصر إلى الغروب ، ثم أصائل جمع الجمع ، قال أبو ذؤيب الهذلي : لعمري لأنت البيت أكرم أهله * وأقعد في أفيائه بالأصائل
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 266 وص 111 .