القرطبي

275

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) إلى مصارع الأمم المكذبة لأنبيائهم فيعتبروا . ( ولدار الآخرة خير ) ابتداء وخبره . وزعم الفراء أن الدار هي الآخرة ، وأضيف الشئ إلى نفسه لاختلاف اللفظ ، كيوم الخميس ، وبارحة الأولى ، قال الشاعر : ولو أقوت عليك ديار عبس ( 1 ) * عرفت الذل عرفان اليقين أي عرفانا يقينا ، واحتج الكسائي بقولهم : صلاة الأولى ، واحتج الأخفش بمسجد الجامع . قال النحاس : إضافة الشئ إلى نفسه محال ، لأنه إنما يضاف الشئ إلى غيره ليتعرف به ، والأجود الصلاة الأولى ، ومن قال صلاة الأولى فمعناه : عند صلاة الفريضة الأولى ، وإنما سميت الأولى لأنها أول ما صلي حين فرضت الصلاة ، وأول ما أظهر ، فلذلك قيل لها أيضا الظهر . والتقدير : ولدار الحال الآخرة خير ، وهذا قول البصريين ، والمراد بهذه الدار الجنة ، أي هي خير للمتقين . وقرئ : " وللدار الآخرة " . وقرأ نافع وعاصم ويعقوب وغيرهم ( أفلا تعقلون ) بالتاء على الخطاب . الباقون بالياء على الخبر . قوله تعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل ) تقدم القراءة فيه ومعناه ( 2 ) . ( وظنوا أنهم كذبوا ) وهذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم . وهذا الباب عظيم ، وخطره جسيم ، ينبغي الوقوف ، عليه لئلا يزل الإنسان فيكون في سواء الجحيم . المعنى : وما أرسلنا قبلك يا محمد إلا رجالا ثم لم نعاقب أممهم بالعذاب . ( 3 ) " حتى إذا استيأس الرسل " أي يئسوا من إيمان قومهم . " وظنوا أنهم قد كذبوا " بالتشديد ، أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم . وقيل المعنى : حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم ، لا أن القوم كذبوا ، ولكن الأنبياء ظنوا وحسبوا أنهم يكذبونهم ، أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك ، فيكون " وظنوا " على بابه في هذا التأويل . وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف " كذبوا " بالتخفيف ، أي ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ،

--> ( 1 ) وفى رواية : " فإنك لو حللت ديار عبس " في ع وك وى : عرفت الدار . ( 2 ) راجع ص 241 من هذا الجزء . ( 3 ) من ع وح‍ الجمل عن القرطبي . وفى ا وح‍ وك ى : بالعقاب .