القرطبي

260

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وعنه أيضا مسيرة شهر . وقال مالك [ بن أنس ] ( 1 ) رضي الله عنه : إنما أوصل ريحه من أوصل عرش بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان عليه السلام طرفه . وقال مجاهد : هبت ريح فصفقت ( 2 ) القميص فراحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب ، فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص ، فعند ذلك قال : " إني لأجد " أي أشم ، فهو وجود بحاسة الشم . ( لولا أن تفندون ) قال ابن عباس ومجاهد : لولا أن تسفهون ، ومنه قول النابغة : إلا سليمان إذ قال المليك له * قم في البرية فاحددها عن الفند أي عن السفه . وقال سعيد بن جبير والضحاك : لولا أن تكذبون . والفند الكذب . وقد أفند إفنادا كذب ، ومنه قول الشاعر : هل في افتخار الكريم من أود * أم هل لقول الصدوق من فند أي من كذب . وقيل : لولا أن تقبحون ، قاله أبو عمرو ، والتفنيد التقبيح ، قال الشاعر : يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي * فليس ما فات من أمري بمردود وقال ابن الأعرابي : " لولا أن تفندون " لولا أن تضعفوا رأي ، وقاله ابن إسحاق . والفند ضعف الرأي من كبر . وقول رابع : تضللون ، قاله أبو عبيدة . وقال الأخفش : تلوموني ، والتفنيد اللوم وتضعيف الرأي . وقال الحسن وقتادة ومجاهد أيضا : تهرمون ، وكله متقارب المعنى ، وهو راجع إلى التعجيز وتضعيف الرأي ، يقال : فنده تفنيدا إذا أعجزه ، كما قال : أهلكني باللوم والتفنيد ويقال : أفند إذا تكلم بالخطأ ، والفند الخطأ في الكلام والرأي ، كما قال النابغة : فاحددها عن الفند أي امنعها عن الفساد في العقل ، ومن ذلك قيل : اللوم تفنيد ، قال الشاعر : يا عاذلي دعا الملام وأقصرا * طال الهوى وأطلتما التفنيدا

--> ( 1 ) من ووى . ( 2 ) صفقت الريح الشئ وصفقته إذا قلبته يمينا وشمالا ورددته . ( 3 ) شبه الشاعر النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام لعظم ملكه ، وقبل البيت : ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه * ولا أحاشى من الأقوام من أحد ويروى : فارددها . واحددها : احبسها . والفند أيضا الخطأ في الرأي . والظلم أيضا . ( 4 ) أود : عوج .