القرطبي
257
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" من " بمعنى الذي ، وتدخل " يتقي " في الصلة ، فتثبت الياء لاغير ، وترفع " ويصبر " . وقد يجوز أن تجزم " ويصبر " على أن تجعل " يتقي " في موضع جزم و " من " للشرط ، وتثبت الياء ، وتجعل علامة الجزم حذف الضمة التي كانت في الياء على الأصل ، كما قال : ثم نادي إذا دخلت دمشقا * يا يزيد بن خالد بن يزيد وقال آخر : ألم يأتيك والأنباء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد وقراءة الجماعة ظاهرة ، والهاء في " إنه " كناية عن الحديث ، والجملة الخبر . قوله تعالى : ( قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ) الأصل همزتان خففت الثانية ، ولا يجوز تحقيقها ، واسم الفاعل مؤثر ، والمصدر إيثار . ويقال : أثرت التراب إثارة فأنا مثير ، وهو أيضا على أفعل ثم أعل ، والأصل أثير ( 1 ) نقلت حركة الياء على الثاء ، فانقلبت الياء ألفا ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين . وأثرت الحديث على فعلت فأنا آثر ، والمعنى : لقد فضلك الله علينا ، واختارك بالعلم والحلم والحكم والعقل والملك . ( وإن كنا لخاطئين ) أي مذنبين من خطئ يخطأ إذا أتى الخطيئة ، وفي ضمن هذا سؤال العفو . وقيل لابن عباس : كيف قالوا " وإن كنا لخاطئين " وقد تعمدوا لذلك ؟ قال : وإن تعمدوا لذلك ، فما تعمدوا حتى أخطئوا الحق ، وكذلك كل من أتى ذنبا تخطى المنهاج الذي عليه من الحق ، حتى يقع في الشبهة والمعصية . قوله تعالى : ( لا تثريب عليكم اليوم ) أي قال يوسف - وكان حليما موفقا - : " لا تثريب عليكم اليوم " وتم الكلام . ومعنى " اليوم " : الوقت . والتثريب التعيير والتوبيخ ، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم ، قال سفيان الثوري وغيره ، ومنه قوله عليه السلام : " إذا زنت أمه أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها " أي لا يعيرها ، وقال بشر : فعفوت عنهم عفو غير مثرب * وتركتهم لعقاب يوم سرمد
--> ( 1 ) كذا في الأصل وأعراب القرآن للنحاس . ويلاحظ أن عين الفعل واو لا ياء ، وعليه فالأصل أثور ، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها فقلبت ألفا ، ثم حذفت - عند اتصال الفعل بضمير متحرك - لالتقاء الساكنين .