القرطبي
240
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
[ قاله ابن عباس ، أي أنتم شر مكانا ممن نسبتموه إلى هذه السرقة . ومعنى قوله " والله أعلم بما تصفون " ( 1 ) ] أي الله أعلم أن ما قلتم كذب ، وإن كانت لله رضا . وقد قيل : إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء . قوله تعالى : ( قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه ) خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول ( 2 ) أو موته . وقولهم : " إن له أبا شيخا كبيرا " أي كبير القدر ، ولم يريدوا كبر السن ، لأن ذلك معروف من حال الشيخ . " فخذ أحدنا مكانه " أي عبدا بدله ، وقد قيل : إن هذا مجاز ، لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقه ، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله : أقتلني ولا تفعل كذا وكذا ، وأنت لا تريد أن يقتلك ، ولكنك مبالغ في استنزاله . ويحتمل أن يكون قولهم : " فخذ أحدنا مكانه " حقيقة ، وبعيد عليهم وهم أنبياء ( 3 ) أن يروا استرقاق حر ، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة ، أي خذ أحدنا مكانه . حتى ينصرف إليك صاحبك ، ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه ، ويعرف يعقوب جلية الأمر ، فمنع يوسف عليه السلام من ذلك ، إذ الحمالة في الحدود ونحوها - بمعنى إحضار المضمون فقط - جائزة مع التراضي ، غير لازمة إذا أبى الطالب ، وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة ، فلا يجوز إجماعا . وفي " الواضحة " : إن الحمالة في الوجه فقط في [ جميع ] ( 4 ) الحدود جائزة ، إلا في النفس . وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس . وأختلف فيها عن الشافعي ، فمرة ضعفها ، ومرة أجازها . قوله تعالى : ( إنا نراك من المحسنين ) يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم ، ويحتمل أن يريدوا : إنا نرى لك إحسانا علينا في هذه اليد أن أسديتها إلينا ، وهذا تأويل ابن إسحاق . قوله تعالى : ( قال معاذ الله ) مصدر . ( أن نأخذ ) في موضع نصب ، أي من أن نأخذ . ( إلا من وجدنا ) في موضع نصب ب " نأخذ " . ( متاعنا عنده ) أي معاذ الله أن نأخذ البرئ بالمجرم ونخالف ما تعاقدنا عليه . ( إنا إذا لظالمون ) أي أن نأخذ غيره .
--> ( 1 ) من ع . ( 2 ) هو قطفير . ( 3 ) قد مضى أنهم ليسوا بأنبياء على الصحيح . ( 4 ) من ع .