القرطبي

208

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

هي أيضا ، وكان ذلك لطفا من الله بيوسف . و " حصحص الحق " أي تبين وظهر ، وأصله حصص ، فقيل : حصحص ، كما قال : كبكبوا في كببوا ، وكفكف في كفف ، قال الزجاج وغيره . وأصل الحص استئصال الشئ ، يقال : حص شعره إذا استأصله جزا ، قال أبو القيس بن الأسلت : قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع ( 1 ) وسنة حصاء أي جرداء لا خير فيها ، قال جرير : يأوي إليكم بلا من ولا جحد * من ساقه السنة الحصاء والذيب كأنه أراد أن يقول : والضبع ، وهي السنة المجدبة ، فوضع الذئب موضعه لأجل القافية ، فمعنى " حصحص الحق " أي انقطع عن الباطل ، بظهوره وثباته ( 2 ) ، قال : ألا مبلغ عني خداشا فإنه * كذوب إذا ما حصحص الحق ظالم وقيل : هو مشتق من الحصة ، فالمعنى : بانت حصة الحق من حصة الباطل . وقال مجاهد وقتادة : وأصله مأخوذ من قولهم ، حص شعره إذا استأصل قطعه ، ومنه الحصة ( 3 ) من الأرض إذا قطعت منها . والحصحص بالكسر التراب والحجارة ، ذكره الجوهري . ( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) وهذا القول منها - وإن لم يكن سأل عنه - إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته ، لأن إقرار المقر على نفسه أقوى من الشهادة عليه ، فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار ، حتى لا يخامر نفسا ظن ، ولا يخالطها شك . وشددت النون في " خطبكن " و " راودتن " لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر . قوله تعالى : ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين ( 52 ) وما أبرى نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم ( 53 )

--> ( 1 ) البيضة : الخوذة ، والتهجاع : النومة الخفيفة . ( 2 ) في ع : بيانة . ( 3 ) في ع : في .