القرطبي
195
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ربك " " إنه ربي أحسن مثواي " [ يوسف : 23 ] أي صاحبي ، يعني العزيز . ويقال لكل من قام بإصلاح شئ وإتمامه : قد ربه يربه ، فهو رب له . قال العلماء قول عليه السلام : " لا يقل أحدكم " " وليقل " من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى ، لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم ، ولأنه قد جاء عنه عليه السلام " أن تلد الأمة ربها " أي مالكها وسيدها ، وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ ، فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن . وقد قيل : إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين : أحدهما - أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى ، ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه ، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه ، وذلك غير جائز . والثاني - أن المملوك يدخله من ذلك شئ في استصغاره بتلك التسمية ، فيحمله ذلك على سوء الطاعة . وقال ابن شعبان في " الزاهي " : " لا يقل السيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي " وهذا محمول على ما ذكرناه . وقيل : إنما قال صلى الله عليه وسلم " لا يقل العبد ربي وليقل سيدي " لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق ، وأختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا ؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح ، إذ لا التباس ولا إشكال ، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرب ، فيحصل الفرق . وقال ابن العربي : يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف عليه السلام . الثالثة - قوله تعالى : ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) الضمير في " فأنساه " فيه قولان : أحدهما - أنه عائد إلى يوسف عليه السلام ، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل ، وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك - حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك - " اذكرني عند ربك " نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به ، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق ، فعقب باللبث . قال عبد العزيز بن عمير الكندي : دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف ، فقال : يا أخا المنذرين ! مالي أراك بين الخاطئين ؟ ! فقال جبريل عليه السلام : يا طاهر [ ابن ] ( 1 ) الطاهرين ! يقرئك
--> ( 1 ) من ع .