القرطبي
185
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب ، وهو مصدر سجنه سجنا . ( وإلا تصرف عنى كيدهن ) أي كيد النسوان . وقيل : كيد النسوة اللاتي رأينه ؟ فإنهن أمرنه بمطاوعة امرأة العزيز ، وقلن له : هي مظلومة وقد ظلمتها . وقيل : طلبت كل واحدة أن تخلو به للنصيحة في امرأة العزيز ، والقصد بذلك أن تعذله في حقها ، وتأمره بمساعدتها ، فلعله يجيب ، فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له : يا يوسف ! اقض لي حاجتي فأنا خير لك من سيدتك ، تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده ، فقال : يا رب كانت واحدة فصرن جماعة . وقيل : كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة ، وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب ، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض . والكيد الاحتيال والاجتهاد ، ولهذا سميت الحرب كيدا لاحتيال الناس فيها ، قال عمر بن لجأ : تراءت كي تكيدك أم بشر * وكيد بالتبرج ما تكيد ( أصب إليهن ) جواب الشرط ، أي أمل إليهن ، من صبا يصبو - إذا مال واشتاق - صبوا وصبوة ، قال ( 1 ) : إلى هند صبا قلبي * وهند مثلها يصبي أي إن لم تلطف بي في اجتناب المعصية وقعت فيها . ( واكن من الجاهلين ) أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم ، أو ممن يعمل عمل الجهال ، ودل هذا على أن أحدا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله ، ودل أيضا على قبح الجهل والذم لصاحبه . قوله تعالى : ( فاستجاب له ربه ) لما قال . " وإلا تصرف عن كيدهن " تعرض للدعاء ، وكأنه قال : اللهم اصرف عني كيدهن ، فاستجاب له دعاءه ، ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنى . " كيدهن " قيل : لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه . وقيل : يعني كيد النساء . وقيل : يعني كيد امرأة العزيز ، على ما ذكر في الآية قبل ، والعموم أولى .
--> ( 1 ) هو زيد بن ضبة .