القرطبي

182

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

نصبت ، وشرح هذا - فيما قاله أحمد بن يحيى ، - إنك إذا قلت : ما زيد بمنطلق ، فموضع الباء موضع نصب ، وهكذا سائر حروف الخفض ، فلما حذفت الباء نصبت لتدل على محلها ، قال : وهذا قول الفراء ، قال : ولم تعمل " ما " شيئا ، فألزمهم البصريون أن يقولوا : زيد القمر ، لأن المعنى كالقمر ! فرد أحمد بن يحيى بأن قال : الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف ، لأن الكاف تكون اسما . قال النحاس : لا يصح إلا قول البصريين ، وهذا القول يتناقض ، لأن الفراء أجاز ( 1 ) نصا ما بمنطلق زيد ، وأنشد : أما والله أن لو كنت حرا * وما بالحر أنت ولا العتيق ومنع ( 1 ) نصا النصب ، ولا نعلم بين النحويين اختلافا أنه جائز : ما فيك براغب زيد ، وما إليك بقاصد عمرو ، ثم يحذفون الباء ويرفعون . وحكى البصريون والكوفيون ما زيد منطلق بالرفع ، وحكى البصريون أنها لغة تميم ، وأنشدوا : أتيما تجعلون إلي ندا * وما تيم لذي حسب نديد الند والنديد والنديدة المثل والنظير . وحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد . وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين : قال أبو إسحاق : وهذا غلط ، كتاب الله عز وجل ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى وأولى . قلت : وفي مصحف حفصة رضي الله عنها " ما هذا ببشر " ذكره الغزنوي . قال القشيري أبو نصر : وذكرت النسوة أن [ صورة ] يوسف أحسن ، من صورة ( 2 ) البشر ، بل هو في صورة ملك ، وقال الله تعالى : " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ( 3 ) " [ التين : 4 ] والجمع بين الآيتين أن قولهن : " حاش لله " تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز من المراودة ، أي بعد يوسف عن هذا ، وقولهن : " لله " أي لخوفه ، أي براءة لله من هذا ، أي قد نجا يوسف من ذلك ، فليس هذا من الصورة في شئ ، والمعنى : أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة ، فعلى هذا لا تناقض . وقيل : المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة ، لفرط جماله . وقوله : " لله " تأكيد لهذا المعنى ، فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنا منهن أن صورة الملك أحسن ، وما بلغهن قوله

--> ( 1 ) في ع : أجاز أيضا . ( 2 ) في ع : إن يوسف أحسن صورة من البشر . ( 3 ) راجع ج 20 ص 113 .