القرطبي

161

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

نفسه فيما يريده أن يقول له : كن فيكون . وقيل : ترجع إلى يوسف ، أي الله غالب على أمر يوسف يدبره ويحوطه ولا يكله إلى غيره ، حتى لا يصل إليه كيد كائد . ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أي لا يطلعون على غيبه . وقيل : المراد بالأكثر الجميع ، لان أحدا لا يعلم الغيب . وقيل : هو مجرى على ظاهره ، إذ قد يطلع من يريد على بعض غيبه . وقيل : المعنى " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أن الله غالب على أمره ، وهم المشركون ومن لا يؤمن بالقدر . وقالت الحكماء في هذه الآية : " والله غالب على أمره " حيث ، أمره يعقوب ألا يقص رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حتى قص ، ثم أراد إخوته قتله فغلب أمر الله حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه ، ثم أراد الإخوة أن يخلو لهم وجه أبيهم فغلب أمر الله حتى ضاق عليهم قلب أبيهم ، وافتكره بعد سبعين سنة أو ثمانين سنة ، فقال : " يا أسفا على يوسف " ثم تدبروا أن يكونوا من بعده قوما صالحين ، أي تائبين فغلب أمر الله حتى نسوا الذنب وأصروا عليه حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد سبعين سنة ، وقالوا لأبيهم : " إنا كنا خاطئين " [ يوسف : 97 ] ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالبكاء والقميص [ فغلب أمر الله ] ( 1 ) فلم ينخدع ، وقال : " بل سولت لكم أنفسكم أمرا " [ يوسف : 18 ] ثم احتالوا في أن تزول محبته من قلب أبيهم فغلب أمر الله فازدادت المحبة والشوق في قلبه ، ثم دبرت امرأة العزيز أنها إن ابتدرته بالكلام غلبته ، فغلب أمر الله حتى قال العزيز : " استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين " [ يوسف : 29 ] ، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمر الله فنسي الساقي ، ولبث يوسف في السجن بضع سنين . قوله تعالى : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين ( 22 ) قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده ) " أشده " عند سيبويه جمع واحده شده . وقال الكسائي : واحده شد ، كما قال الشاعر ( 1 ) : ( 1 ) عهدي به شد النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم

--> ( 1 ) من ع وك وو وى . ( 2 ) هو عنترة العبسي وشد النهار : أي أشده ، يعني أعلاه . واللبان : الصدر ، وقيل : وسطه ، وقيل : ما بين الثديين ، ويروى : " البنان " . والعظلم عصارة شجر أو نبت يصبغ به ، أو الوسمة ، وهي شجرة ورقها خضاب .