القرطبي
159
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ويعتنق القبر ويضطرب ويقول : يا أماه ! ارفعي رأسك ترى ولدك مكبلا مقيدا مسلسلا مغلولا ، فرقوا بيني وبين والدي ، فاسألي الله أن يجمع بيننا في مستقر رحمته إنه أرحم الراحمين ، فتفقده الأسود على البعير فلم يره ، فقفا أثره ، فإذا هو بياض على قبر ، فتأمله فإذا هو إياه ، فركضه برجله في التراب ومرغه وضربه ضربا وجيعا ، فقال له : لا تفعل ! والله ما هربت ولا أبقت وإنما مررت بقبر أمي فأحببت أن أودعها ، ولن أرجع إلى ما تكرهون ، فقال الأسود : والله إنك لعبد سوء ، تدعو أباك مرة وأمك أخرى ! فهلا كان هذا عند مواليك ، فرفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كانت لي عندك خطيئة أخلقت بها وجهي فأسألك بحق آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن تغفر لي وترحمني ، فضجت الملائكة في السماء ، ونزل جبريل فقال له : يا يوسف ! غض صوتك فلقد أبكيت ملائكة السماء ! أفتريد أن أقلب الأرض فأجعل عاليها سافلها ؟ قال : تثبت يا جبريل ، فإن الله حليم لا يعجل ، فضرب الأرض بجناحه فأظلمت ، وارتفع الغبار ، وكسفت الشمس ، وبقيت القافلة لا يعرف بعضها بعضا ، فقال رئيس القافلة : من أحدث منكم حدثا ؟ - فإني أسافر منذ كيت وكيت ما أصابني قط مثل هذا - فقال الأسود : أنا لطمت ذلك الغلام العبراني فرفع يده إلى السماء وتكلم بكلام لا أعرفه ، ولا أشك أنه دعا علينا ، فقال له : ما أردت إلا هلاكنا ! ايتنا به ، فأتاه به ، فقال له : يا غلام ! لقد لطمك فجاءنا ما رأيت ، فإن كنت تقتص فاقتص ممن شئت ، وإن كنت تعفو فهو الظن بك ، قال : قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني ، فانجلت الغبرة ، وظهرت الشمس ، وأضاء مشارق الأرض ومغاربها ، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه ، حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر ، ورد عليه جماله ، ودخل به البلد نهارا فسطع نوره على الجدران ، وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك ، قاله ابن عباس على ما تقدم . وقيل : إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ، ثم مات الملك ويوسف يومئذ على خزائن الأرض ، فملك بعده قابوس وكان كافرا ، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى . ( أكرمي مثواه ) أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن ، وهو