القرطبي

141

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لأنه يجئ من كل وجه . وروى ورش عن نافع " الذيب " بغير همز ، لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء . ( وأنتم عنه غافلون ) أي مشغلون بالرعي . قوله تعالى : ( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ) أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه . ( إنا إذا لخاسرون ) أي في حفظنا أغنامنا ، أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا . وقيل : " لخاسرون " لجاهلون بحقه . وقيل : لعاجزون . قوله تعالى : فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ( 15 ) قوله تعالى : ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه ) " أن " في موضع نصب ، أي على أن يجعلوه في غيابة الجب . قيل في القصة : إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه ، وسلمه إلى روبيل وقال : يا روبيل ! إنه صغير ، وتعلم يا بني شفقتي عليه ، فإن جاع فأطعمه ، وإن عطش فاسقه ، وإن أعيا ( 1 ) فاحمله ثم عجل برده إلي . قال : فأخذوا يحملونه على أكتافهم ، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر ، ويعقوب يشيعهم ميلا ثم رجع ، فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر ، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الغيظ والعسف ، فاستغاث بروبيل وقال : " أنت أكبر إخوتي ، والخليفة من بعد والدي علي ، وأقرب الإخوة إلي ، فارحمني وارحم ضعفي " فلطمه لطمة شديدة وقال : لا قرابة بيني وبينك ، فادع الأحد عشرك كوكبا فلتنجك منا ، فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه ، فتعلق بأخيه يهوذا وقال : يا أخي ! ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني ، وارحم قلب أبيك يعقوب ، فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده ، فرق قلب يهوذا فقال : والله لا يصلون إليك أبدا ما دمت حيا ، ثم قال : يا إخوتاه ! إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا ، فردوا هذا الصبي إلى أبيه ، ونعاهده

--> ( 1 ) أعيا الرجل في المشي : كل .