القرطبي

127

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له ، وفيها ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدا وكيدا ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " استعينوا على [ إنجاح ] ( 1 ) حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود " . وفيها دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا ، فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم ، ولم يبال بذلك من نفسه ، فإن الرجل يود أن يكون ولده خير منه ، والأخ لا يود ذلك لأخيه . ويدل أيضا على أن يعقوب عليه السلام كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه ، فنهاه عن قصص ( 2 ) الرؤيا عليهم خوفا أن تغل بذلك صدورهم ، فيعملوا الحيلة في هلاكه ، ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت ، ووقع في كتاب الطبري لابن زيد أنهم كانوا أنبياء ، وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنيوي ، وعن عقوق الآباء ، وتعريض مؤمن للهلاك ، والتآمر في قتله ، ولا التفات لقول من قال إنهم كانوا أنبياء ، ولا يستحيل في العقل زلة نبي ، إلا أن هذه الزلة قد جمعت أنواعا من الكبائر ، وقد أجمع المسلمون على عصمتهم منها ، وإنما اختلفوا في الصغائر على ما تقدم ويأتي . العاشرة - روى البخاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لم يبق من النبوة إلا المبشرات " قالوا : وما المبشرات ؟ قال : " الرؤيا الصالحة " وهذا الحديث بظاهره يدل على أن الرؤيا بشرى على الإطلاق وليس كذلك ، فإن الرؤيا الصادقة قد تكون منذرة من قبل الله تعالى لا تسر رائيها ، وإنما يريها الله تعالى المؤمن رفقا به ورحمة ، ليستعد لنزول البلاء قبل وقوعه ، فإن أدرك تأولها بنفسه ، وإلا سأل عنها من له أهلية ذلك . وقد رأى الشافعي رضي الله عنه وهو بمصر رؤيا لأحمد بن حنبل تدل على محنته فكتب إليه بذلك ليستعد لذلك ، وقد تقدم في " يونس " في تفسير قوله تعالى : " لهم البشرى في الحياة الدنيا " ( 3 ) [ يونس : 64 ] أنها الرؤيا الصالحة . وهذا وحديث البخاري مخرجه على الأغلب ، والله أعلم .

--> ( 1 ) الزيادة عن " الجامع الصغير " . ( 2 ) في ع : قص . ( 3 ) راجع ج 8 ص 458 .