القرطبي
124
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أحدهما - ما رواه أبو سلمة عن ابن عباس وعائشة بأن مدة الوحي كانت عشرين سنة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث على رأس أربعين ، فأقام بمكة عشر سنين ، وهو قول عروة والشعبي وابن شهاب والحسن وعطاء والخراساني وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه ، وهي رواية ربيعة وأبى غالب عن أنس ، وإذا ثبت هذا الحديث ( 1 ) بطل ذلك التأويل - الثاني : أن سائر الأحاديث في الأجزاء المختلفة تبقى بغير معنى . الثالثة - إنما كانت الرؤيا جزءا من النبوة ، لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران ، وقلب الأعيان ، والاطلاع على شئ من علم الغيب ، كما قال عليه السلام : " إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم " الحديث . وعلى الجملة فإن الرؤيا الصادقة من الله ، وأنها من النبوة ، قال صلى الله عليه وسلم : " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان " وأن التصديق بها حق ، ولها التأويل الحسن ، وربما أغنى بعضها عن التأويل ، وفيها من بديع الله ولطفه ما يزيد المؤمن في إيمانه ، ولا خلاف في هذا بين أهل الدين والحق من أهل الرأي والأثر ، ولا ينكر الرؤيا إلا أهل الإلحاد وشر ذمة من المعتزلة . الرابعة - إن قيل : إذا كانت الرؤيا الصادقة جزءا من ا لنبوة فكيف يكون الكافر والكاذب والمخلط أهلا لها ؟ وقد وقعت من بعض الكفار وغيرهم ممن لا يرضى دينه منامات صحيحه صادقة ، كمنام رؤيا الملك الذي رأى سبع بقرات ، ومنام الفتيين في السجن ، ورؤيا بختنصر ، التي فسرها دانيال في ذهاب ملكه ، ورؤيا كسرى في ظهور النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنام عاتكة ، عمة رسول الله صلى ا لله عليه وسلم في أمره وهي كافرة ، وقد ترجم البخاري " باب رؤيا أهل السجن " - فالجواب أن الكافر والفاجر والفاسق والكاذب وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات لا تكون من الوحي ولا من النبوة ، إذ ليس كل من صدق في حديثه عن غيب يكون خبره ذلك نبوة ، وقد تقدم في " الأنعام " ( 2 ) أن الكاهن وغيره قد يخبر بكلمة الحق فيصدق ، لكن ذلك على الندور والقلة ، فكذلك رؤيا هؤلاء ، قال المهلب : إنما ترجم البخاري
--> ( 1 ) في ع وى : هذا الخلاف . ( 2 ) راجع ج 7 ص 3 فما بعدها .