القرطبي

6

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كالمكتوف ( 1 ) . قال : فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لقتله معنى زائد ، أو لمن في قتله فضيلة ، وهو القاتل في الاقبال ، لما في ذلك من المؤنة . وأما من أثخن ( 2 ) فلا . وقال الطبري : السلب للقاتل ، مقبلا قتله أو مدبرا ، هاربا أو مبارزا إذا كان في المعركة . وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول : لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال ، لأنه حينئذ لا يدري من قتل قتيلا . فظاهر هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة . وقال أبو ثور وابن المنذر : السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة ، في الاقبال والادبار والهروب والانتهار ، على كل الوجوه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا فله سلبه ) . قلت : روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال : ( غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن فبينا نحن نتضحى ( 3 ) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من حقبه ( 4 ) فقيد به الجمل ، ثم تقدم يتغدى مع القوم ، وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر ( 5 ) ، وبعضنا مشاة ، إذ خرج يشتد ( 6 ) ، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء ( 7 ) . قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر ( 8 ) ، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال : ( من قتل الرجل ) ؟ قالوا : ابن الأكوع . قال : ( له سلبه أجمع ) . فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل ، وأعطاه سلبه . وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل

--> ( 1 ) في ز : المكفوف . ( 2 ) أي أثقل بالجراح . ( 3 ) أي نتغدى . ( 4 ) الطلق ( بالتحريك ) : قيد من جلود . والحقب : الحبل المشدود على حقو البعير أو من حقيبته وهي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب ، والوعاء الذي يجعل الرجل فيه زاده . ( عن ابن الأثير ) . ( 5 ) أي حالة ضعف وهزال في الإبل . ( 6 ) أي خرج مسرعا . ( 7 ) الأورق من الإبل : الذي في لونه بياض إلى سواد . ( 8 ) ندر : سقط .